عجيب أمر المنظرين والمسؤولين الصهاينة والإسرائيليين، ففي حال سكون الواقع العربي وخموله الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي، رموه بالتخلف والديكتاتورية والرجعية، وصوروا إسرائيل كواحة للتقدم والازدهار والديمقراطية في صحراء من السلطويات.. وإن تحركت المياه الراكدة في هذا الواقع، وانتفض بعض شعوبه بحثاً عن التغيير والتحول الديمقراطي والخوض في مسارات حياتية جديدة واعدة، قيل بأن إسرائيل جزيرة استقرار وهدوء في محيط إقليمي عاصف غير مأمون!
لا يمل الإسرائيليون من عرض بضاعتهم القديمة هذه على الخلق، ولا يريدون الاعتراف بأن العرب مثل سائر الأمم والأقوام، يسري عليهم ما يسري على الناس من أحوال متغيرة. وبمفهوم المخالفة، فإن هذه المقاربة الإسرائيلية المتحجرة، إنما تشير إلى عقدة الإسقاط لدى أصحابها. فالسكون واللاحراك سمات تليق بأناس أنشؤوا كياناً سياسياً، بوحي من تصورات أسطورية وأحافير تاريخية وجغرافية معتمة. ولا يستوي ومنطق نهر الحياة المتدفق، أن يظل العرب من جانب وإسرائيل من جانب آخر، على شاكلة واحدة ثابتة خلال أكثر من ستين عاماً.
نود القول بعبارات أخرى، إن التعامل الصهيوني الإسرائيلي مع صورة العرب ومحاولة تقعيدها وعرضها بشكل جوهراني سرمدي، هو في حد ذاته تعبير عن حالة تخلف ورجعية مفرطة.
آخر الآيات في هذا المقام، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، استغل الانتفاضتين الثوريتين التونسية والمصرية، في إعادة تسويق الصورتين النمطيتين لإسرائيل وللعرب.. وذلك بالقول إن هذه الأحداث تؤكد وضع إسرائيل الاستراتيجي كمركز استقرار في إقليم مضطرب.
بهذه المعالجة السطحية الأفعوانية، لخص نتنياهو رؤيته لعمليتي تغيير عربيتين، ذاتي أبعاد اجتماعية سياسية اقتصادية ثقافية، بالغة الجدية والعمق والدلالة في الحال والاستقبال. وتقديرنا أن هذا الرجل، الشهير بأنه أكذب من مسيلمة، لم يصدر توصيفه لهذين الحدثين عن جهل بمعناهما ومغزاهما.. فهو يدرك حتماً أن عمليات التحول الهيكلي قد تأتي في بعض الحالات في سياقات خشنة غير مخملية، بل وربما جاءت في غمار تسونامي الطابع؛ لكنه وهو يقارب هذه النماذج العربية، لجأ إلى تعطيل معارفه التاريخية، واستند فقط إلى خبرته الدعائية وحدسه الإعلامي.
والحقيقة أن نتنياهو ومنظومتيه الصهيونية والإسرائيلية ومن يواليهما في عوالم الآخرين، ليسوا مطلقا بوارد الرضى الحقيقي عن أي تحول ديمقراطي أو تنموي عربي، انقلابيا صاخبا جاء أم كان متدرجا ناعما.. فمثل هذا المستجد من شأنه نفي دعاوى الاستثناء والتفرد الإسرائيلي الإقليمي على هذين الصعيدين. وإن كان من تناظر في هذا الإطار، فهو ذلك الذي ينبغي على القائمين به وضع فكرة التميز والاستثناء الإسرائيلي، تحت مباضع النقد والتفنيد، إذ كيف لدولة تحتل بالقوة العارية شعبا آخر معترفاً له بحق تقرير المصير، وتعيث في أرضه وناسه فساداً؛ قتلاً وسجناً وترويعاً واستيطاناً وتهجيراً.. أن تزعم ديمقراطيتها وإنسانيتها؟
ويخادع الإسرائيليون أنفسهم حين يدفعون بدعوى استقرار كيانهم، فيما هو يموج بأسباب كثيرة للتباغض والتوتر. ومن ذلك التفاوت في المقامات الاجتماعية السياسية والحظوظ الاقتصادية، والمرجعيات الثقافية بين الأشكناز والسفارد والروس والفلاشا... وما بين هؤلاء جميعاً، من جانب، وفلسطينيي 1948 من جانب آخر.
وفي إسرائيل تعيش القطاعات اليهودية كلها تحت السلاح، منذ اليوم الأول لإعلان الدولة حتى اللحظة الراهنة، وهذه وضعية تسمح بإدمان العنف واحتمال ارتداده إلى نحور الإسرائيليين أنفسهم. وحسبنا دليلاً على ذلك، ارتفاع معدلات الفساد وانتشار العصابات الإجرامية المنظمة في إسرائيل، بوتيرة أوسع وأكثر، قياساً بالدول العربية والأرقام العالمية المتداولة.
وليس من باب الاستقرار والتوافق فقط، أن تزدحم الدولة الصهيونية بالأحزاب والحركات السياسية، لأن ظاهرة كهذه قد تعود في أصلها إلى التشظي الاجتماعي والفكري السياسي، وانقسام التجمع الاستيطاني عموديا؛ كما أنها تعد المسؤول الأول عن التقلبات الحكومية ونشوء الائتلافات الوزارية التي لا تعمر طويلا.
نعرف أن الإسرائيليين ولفيفا من المنظرين، يدرجون هذا المشهد السياسي تحت يافطة التعددية السياسية الديمقراطية، لكننا نملك مؤشرات كثيرة على أنه مشهد للتشرذم السياسي، أساسه التوجه الإجباري لاستيعاب أناس توافدوا من أرومات فكرية وثقافية متباينة.
ويجازف بمعقوليته وبالمنطق السديد، من يحاول إقناعنا بصحة الانسجام والتعايش السلمي الحقيقي، ناهيك عن التساوي، بين قطاعات يهودية جرى استقدامها من إفريقيا والعالمين العربي والإسلامي، وأواسط آسيا وشرق أوروبا وغربها والأميركيتين!
الشاهد في ضوء التحولات الكبرى الجارية عربياً، أنه على نتنياهو وبطانته الأخذ بنصيحة كاثرين أشتون ممثلة السياسة الاتحادية الأوروبية؛ التي فحواها أن «.. التقدم في عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بات اليوم حيوياً أكثر من أي وقت مضى».. هذا قبل ألا يجد هؤلاء من يفاوضهم.
كاتب وأكاديمي فلسطيني