يتوقع أن يصل العجز في الميزانية الفيدرالية الأميركية إلى ما يقرب من ‬1,5 تريليون دولار هذا العام، وفقاً لبيانات مكتب الميزانية في الكونغرس. هل يدعونا ذلك للقلق؟ الأمر يتوقف على الغرض الذي نقترض من أجله المال. لكن من المستحيل أن يكون هناك نقاش حاذق بشأن هذا الموضوع، لأن العجز في الميزانية الفيدرالية الأميركية، عبارة عن مستنقع من الأرقام المضللة، يختفي في سحابة من الارتباك داخل ضباب من التضليل.

لهذا السبب، على الأرجح، يعتقد معظم الأميركيين أنه يجب تقليص العجز، لكنهم لا يريدون تقديم أي تضحيات للقيام بذلك. ووفقاً لاستطلاع أجرته شبكة «سي إن إن» مؤخراً، فإن هناك أميركياً واحداً فقط من بين كل خمسة أميركيين، يعتبر أن العجز في الميزانية الفدرالية مشكلة كبيرة للغاية بحيث تبرّر التخفيضات في الضمان الاجتماعي أو الرعاية الطبية، وهما البندان اللذان يعتبران، جنبا إلى جنب مع ميزانية الدفاع الوطني، أكبر بنود الإنفاق.

لذلك فإن الجمهوريين في مجلس النواب، يعدون بخفض العجز دون طرح أي مقترحات جدية للقيام بذلك. ويقول الرئيس الأميركي باراك أوباما إنه يعتزم خفض العجز، ولكنه بعد ذلك يخصص خطابه عن حالة الاتحاد، وهو عبارة عن موضوع حملته الانتخابية لعام ‬2012، لأهمية إنفاق المزيد على «الاستثمارات» الرئيسية في البنية التحتية والتعليم والبحوث الأساسية.

بالمناسبة، فإن الرئيس الأميركي محق تماما في ما يتعلق بتلك الاستثمارات، لكنه لن يمضي قدما إذا كانت هذه الاستثمارات تتنافس على الدولارات مع الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية والدفاع. وليست لديه معجزة تتيح له الحصول على دولارات إضافية، لمساعدة الولايات التي تعاني من ضغوط شديدة وتحجم عن الاستثمار الآن في التعليم والبنية التحتية.

على المدى البعيد، يعد السبيل الوحيد لتحسين مستويات المعيشة لمعظم الأميركيين، هو الاستثمار في شعبنا، خاصة تعليمهم المهارات وأنظمة الاتصالات والنقل، التي تربط بين بعضهم البعض وتربطهم ببقية العالم. في الاقتصاد العالمي، فإن «الأصل» الوحيد الذي يعد فريداً لأية دولة، والذي يحدد مستويات المعيشة، هو الشعب الذي يشكل هذه الدولة. وكل شيء آخر، كالمال والمعدات والمصانع والإمدادات، يتحرك عبر الحدود العالمية بضغطة زر واحد للكمبيوتر.

هل تستوعبون هذه الفكرة؟ الإنفاق على البنية التحتية والتعليم والبحث والتطوير الأساسي، يختلف اختلافاً جوهرياً عن فئات أخرى من الإنفاق الحكومي. فهذه النفقات تعد حقاً بمثابة الاستثمارات في الإنتاجية المستقبلية لشعبنا، ولكنك لن تعرف ذلك أبداً من الطريقة التي تعمل بها الميزانية الفيدرالية. إذا تم تنظيم الميزانية الفيدرالية بشكل متعقل، فإنها سيتم تقسيمها إلى ثلاثة أجزاء: التزامات سابقة، واحتياجات حالية، واستثمارات مستقبلية.

تعد الالتزامات السابقة هي تلك التي خصصتها الحكومة الفيدرالية للمتقاعدين، من خلال توافر الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، في مقابل مدفوعاتهم في هذه البرامج خلال حياتهم العملية. ويجب الوفاء بهذه الالتزامات السابقة مهما كانت ضخامة عجز الموازنة، لأن الأميركيين اعتمدوا عليها، فهي تعتمد على عقد ضمني بين الجمهور وحكومتهم. فإذا دفعت الضرائب المفروضة على الرواتب، سوف تحصل على الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية. وإذا تم تغيير هذا العقد، ينبغي تغييره فقط لأجيال المستقبل الذين لم يتم شمولهم حتى الآن، أو حدث ذلك بالكاد، ضمن العقد. وتشمل الاحتياجات الحالية كل شيء نعتمد عليه اليوم، من أجل البقاء آمنين وبصحة طيبة. ويقع ضمن هذه الفئة الإنفاق على الدفاع الوطني والضمان المحلي، أو ما يسمى بالرعاية الطبية، والكثير من بقية ما تقوم به الحكومة للحفاظ على مستوى معيشتنا سنة بسنة، وتنبغي موازنة هذه «الاحتياجات الحالية» كل عام. ومن المناسب أن ندفع لتلبية كل احتياجاتنا الحالية، من خلال الضرائب الحالية.

لكن الاستثمارات في المستقبل مختلفة بشكل نوعي. وليست هناك مشكلة بشأن الاقتراض من المستقبل، من أجل تمويل الاستثمارات المستقبلية. والأسر تقوم بذلك طوال الوقت، ففي حين أنه قد يكون أمرا غير مسؤول بالنسبة لأسرة ما أن تستدين من أجل تمويل رحلة بحرية في جميع أنحاء العالم، سوف يكون أمراً مسؤولاً للغاية بالنسبة للأسرة نفسها، اقتراض المال من أجل المساعدة في تمويل التعليم الجامعي لأولادها. كذلك تقترض الشركات من أجل زيادة الإنتاجية في المستقبل، فإذا لم تفعل ذلك، فسوف تتوقف عن نشاطها. فمثل هذه القروض منطقية، طالما أن العائد على الاستثمار أعلى من تكلفة الاقتراض (رأس المال بالإضافة إلى الفائدة).

هذا هو السبب في أن أميركا تحتاج إلى «الموازنة الاستثمارية»، التي تتيح لنا أن نرى كم نستثمر في البنية التحتية والتعليم والأبحاث والتطوير الأساسي، وكم ندفع لاقتراض المال لتمويل هذه الاستثمارات، ونوع «العائد» الذي اضي والحاضر والمستقبل. إن وجود ميزانية فيدرالية معقولة، من شأنه تحديد الفروق، ومن ثم رفع بعض الضباب.نحصل عليه. ولن تكون دعوة سهلة في كل حالة، بالطبع، ولكن مكتب الميزانية في الكونغرس ومكتب الإدارة والموازنة، يضطلعان بمهام أكثر صعوبة.

الماضي والحاضر والمستقبل. إن وجود ميزانية فيدرالية معقولة، من شأنه تحديد الفروق، ومن ثم رفع بعض الضباب.

وزير أميركي سابق وأستاذ السياسة العامة في جامعة كاليفورنيا