باتت وسائل الإعلام زادا يوميا للفرد لا يمكنه الاستغناء عنه، مهما اختلف مستواه المادي والتعليمي، وأيا كانت البيئة المحيطة به أو وضع بلاده على سلم التقدم والرفاه الاجتماعي، للدرجة التي جعلت دور الإعلام يتعاظم يوما بعد يوم، ويتضاعف الاعتماد عليه من ساسة ومفكرين وفنانين وأفراد مغمورين.
ولأن ثقافة المجتمع وتراثه ومنظومته القيمية، من المتغيرات الأساسية التي يجب أن تتسق معها الرسالة الإعلامية المقدمة له، أيا كانت الوسيلة المستخدمة. فمن الأهمية بمكان أن ينطلق إعلامنا الوطني، مها كانت عالمية رسالته ومهما اتسع نطاق تغطيته، من رحم هذا الوطن، متشحا بتراثه وتاريخه، واضعا في الاعتبار سمات المجتمع الذي تخاطبه، بعاداته وتقاليده وثقافته وبما يهمه ويشغله، بحيث يرى المتابع نفسه في المضمون المقدم، بعيدا عن حالة الخصام والفصام بين ما يريده المشاهد أو ما يحتاج إليه، وبين ما يتم تقديمه في ظل التسابق على تقليد البرامج الأجنبية. ولن تأخذ الرسالة الإعلامية شرعيتها، إلا حين تلتصق بالناس وتكون منبرهم في التعبير عن أنفسهم، هنا فقط تأخذ الرسالة شرعيتها الإعلامية المتمثلة في التفاف الجمهور حولها، وهذا هو مقياس نجاح الرسالة الإعلامية في التعبير عن الجمهور.
وإذا كان الإلمام بالحالة المجتمعية، تاريخا وحاضرا وتطلعا إلى المستقبل، ضروريا لإنجاح الرسالة الإعلامية، فمن الضروري أن يتصدر مشهد العاملين في المجال الإعلامي أبناء مجتمعنا، لأنهم أقدر من غيرهم على تحديد ما يريده أبناؤه وما لا يريدون، ما يقبلون وما لا يقبلون، كما أنهم يعرفون طبيعة أفراد المجتمع ومكنون نفوسهم، وهذا هو بيت القصيد ومكمن الخطورة في مجال العمل الإعلامي، المعني بالتنوير وتهذيب السلوك وإشاعة المعرفة وتنمية الوعي.
وفي هذا الخصوص، أود أن أوضح بعض النقاط التي يجب ألا تغيب عنا، على طريق توطين حقل الإعلام:
أولا؛ إن كافة الدراسات الإعلامية تؤكد أن الجمهور أكثر تصديقا واقتناعا وثقة ببني جلدتهم، الذين يتحدثون بلسانهم ويشاركونهم القيم والسلوك، بل والمظهر من ملبس وغيره، وتكتمل المصداقية بالتأهيل والتثقيف والخبرة في ما يتم تناوله، والقدرة على توصيل الرسالة بكفاءة وفاعلية.
ثانيا؛ إن توطين الحقل الإعلامي لا يعني الاكتفاء بالجانب الشكلي فقط، كأن يكتفى بتقديم عدد من المذيعين والمذيعات رغم أهميتهم، بل هو عملية شاملة لعناصر العمل الإعلامي بكافة جوانبها، دون الاكتفاء بالجوانب المظهرية فقط أو بما يراه الناس، ولكن ما يراه الناس ومن هم خلف الكاميرات أو في الكواليس، أو ما يسمى أحيانا «المطبخ الإعلامي».
ثالثا؛ إن عملية التوطين ينبغي أن تتم في إطار خطة شاملة ومتكاملة بعيدة المدى، وهذا ما يقوم به المجلس الوطني للإعلام، والذي وضع ذلك في إطار خطة خمسيه تتم على مراحل، باعتبار أن قطاع الإعلام من القطاعات الحيوية التي ترقى إلى قضايا الأمن الوطني.
رابعا؛ لا ينبغي أن نكتفي بتوطين العاملين في المجال الإعلامي، معتقدين أننا بذلك حققنا هدفنا، وإنما ينبغي أن نهتم بنفس القدر بتوطين الرسالة الإعلامية والمضمون المقدم، والذي لا يقل في أهميته وتأثيره عن توطين الأفراد، وهو ما يعني أن تكون رسالتنا الإعلامية معبرة عن بيئتنا وثقافتنا وشعوبنا، وعن قضايانا واهتمامات شعوبنا، وأن تكون من وحي ثقافتنا. ولن يتأتى هذا دون تعظيم الناتج الإعلامي المحلي بمختلف أشكاله، وتكوين قاعدة المبدعين، ولا يعني ذلك الانغلاق على أنفسنا، ولكن التدقيق في ما يتم تقديمه عبر إعلامنا، واختيار ما يناسبنا وترك ما لا طائل من ورائه.
خامسا؛ إن الاستعانة بكافة الخبرات في مجال الإعلام، تثري العمل الإعلامي ويغنيه من خلال تلاقح الأفكار والخبرات، وهو شكل مهم من أشكال الثراء الفكري والتعاون المشترك، وهو قائم وسيظل في كافة المجالات التي تعتمد في جانبها الأعظم على أصحاب القدرات المبدعة، في ظل عالم تحطمت الحواجز في ما بينه، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يكون القاعدة السائدة وإن طالت، ولا بد أن تتم في إطار مشهد إعلامي وطني محددة أهدافه وأولويات قضاياه، دون انزواء ثقافي في ظل حالة الضجيج الإعلامي والسيولة الشديدة لمضامينه.
سادسا؛ في هذا السياق لا ينبغي أن يغيب عن أعيننا الهدف الأساس، ونعتقد أن التوطين هو الغاية فقط، ولكن ينبغي أن يكون واضحا أن غايتنا الأساسية هي إعلام وطني قوي، بأيدي طاقات وطنية قادرة أكثر من غيرها على إيصال الرسالة بكفاءة ومصداقية.
سابعا؛ إن توطين العمل الإعلامي، إلى جانب كونه قرارا وطنيا أصيلا، فإن ذلك يتطلب تغيرا في بعض القيم المتوارثة التي تعيق وجود العنصر المواطن، وخاصة من جانب الإناث، وهذا ما ألمسه حين يقبل عدد كبير من الطالبات على تخصص العلاقات العامة، في حين يقل إقبالهن على تخصص الصحافة أو الإذاعة والتليفزيون إلى حد الندرة، رغم قدراتهن المتميزة وحاجة مؤسساتنا الإعلامية إليهن.
كل ذلك لن يتم دون العمل المستمر للارتقاء بالمستوى المهني للعاملين في الحقل الإعلامي، لا لتنمية مهاراتهم المهنية فحسب، ولكن ليستوعبوا بيئة العمل المحيطة بهم ومشكلات مجتمعهم ومستوى تطلعاته.
ولا شك أن ما يقوم به المجلس الوطني للإعلام من عقد دورات تدريبية للإعلاميين الإماراتيين، في إطار البرنامج التأهيلي الذي يمتد على مدار عام ونصف، هدفه رفع مستواهم المهني وتمكينهم من تطوير مهاراتهم ومساعدتهم على التطوير الذاتي، بشكل يواكب الاتجاهات المهنية العالمية، وبما ينعكس على شكل ومضمون الرسالة الإعلامية الصادرة من مختلف المؤسسات الإعلامية التي ينتمون إليها، كما يعزز من دورهم في حاضر ومستقبل الإعلام الوطني بكافة أشكاله، مقروءاً أو مسموعاً أو مرئياً.. فأهل الدار أدرى بأخبارها.
عميد كلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية
جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا