تحديدا وقبل عام كتبت مقالة عنونتها «لا تزال مصر أمة حالمة»، تناولت فيها حالة الحلم التي تراود الشباب في تغيير الواقع السياسي في مصر، وإصرارهم على تبني حراك منظم نحو إحداث فورة حقيقية تقود إلى تغيير الدستور، وهذا كان أضعف الإيمان آنذاك، لأن التشاؤم غالبا ما يسيطر على عقولنا العربية النازفة والمحبطة، خاصة وأن شخصيات لها ثقلها، مثل عمرو موسى، صرّحت مرارا وتكرارا بـ«أن الطريق نحو الرئاسة المصرية مغلق».

ومنذ ذاك الحين والبعض يقف متابعا ومتوجسا، لكن الفشل العميق الذي تعيشه هذه الأمة، لم يترك لها خيارا في ضرورة الإصلاح أو التغيير، ونجاح الثورة العارمة التي حركتها الجموع المتدفقة على ميدان التحرير، نبع من مطالب مشروعة وبسيطة، تمحورت حول تحديات معيشية بحتة، تهدف إلى رفع المستوى المادي للفرد، وتثمن حياته وتقدر مجهوده في وطنه، لكنها وصلت إلى مرحلة اقتلاع الحرية بكل ما تعنيه من معانٍ. ولعل أصعب وأدق لحظة من حياة الأمة العربية في تاريخها المعاصر، دارت حول ذاك البيان الموجز الذي أذاعه السيد عمر سليمان بتنحي رأس النظام.

وكما قال البعض معلقا على هذه اللحظة؛ «نقطة ومن أول السطر»، فإن البداية التي تومض في سماء مصر، لن تكون بعيدة عن ما فعلته ثورات مصر طوال تاريخها القديم، والتي أفرزت أجيالا مسيّسة ومثقفة وناهضة، ولم تكن تعرف المعنى الواقعي للخيبة كما عرفته الأجيال الجديدة مؤخرا. لذا لا خوف على مستقبل مصر السياسي، فالتوجه الذي يلمس من قبل أطياف القوى السياسية، متفق على ضرورة المحافظة على هذا المكتسب الجديد، وليس من حق أي حزب أو جماعة الاستحواذ على هذه النتيجة أو سرقتها من أصحابها الحقيقيين.

ولا شك أن مصر الحرة ستقول كلمتها، وستتجاوز هذه المرحلة الانتقالية الدقيقة، التي تتطلب التحلي بأعلى درجات النضج والمسؤولية، والتخلي عن الأنانية في فرض هيمنة القوى السياسية، والدفع إلى زعزعة الالتفاف الوطني الذي تجلى في الأسابيع القليلة الماضية، والأيام القادمة ستثبت أن الأحلام ليست بعيدة المنال إذا كانت الإرادة عظيمة.

إن التداعيات السياسية التي حدثت في مصر، تعيد لنا مرة أخرى تلك القراءات التي تناولت موضوع الدول الفاشلة سياسيا، فعلى مدى خمس سنوات عكف صندوق السلام، وهو منظمة بحثية مستقلة تعمل على منع الحروب وتخفيف الظروف المسببة لها، بالاشتراك مع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية، على رصد مجموعة من المؤشرات التي تحدد مدى استقرار أو اضطراب دولة ما، ثلاثة منها رئيسية، وتحمل الأطر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتتفرع عنها مؤشرات فرعية تبلغ في مجموعها ‬12 مؤشرا، أربعة منها تقع تحت المؤشرات الاجتماعية، واثنان من المؤشرات الاقتصادية، وستة تحت المؤشرات السياسية، وتتراوح من تدفقات اللاجئين إلى الانهيارات الاقتصادية الداخلية، وانتهاكات حقوق الإنسان، إلى التهديدات الأمنية.

وفي جمع هذه المؤشرات، يتضح مدى استقرار أو عدم استقرار دولة ما، أما المؤشرات الـ‬12 فهي: ضغوط ديمغرافية، سواء اللاجئون أو النازحون داخليا، والتظلمات الجماعية، والفرار البشري، والتنمية المتفاوتة، والهبوط الاقتصادي، وعدم شرعية الدولة، والخدمات العامة، وحقوق الإنسان والأجهزة الأمنية، والنخب الحزبية، والتدخل الخارجي.

ووفق ما جاء في دليل الدول الفاشلة السنوي السادس للعام، جاءت مصر في المرتبة ‬49 في عام ‬2010 بمجموع ‬87,6، وكان ترتيبها ‬43 عام ‬2009 بمجموع ‬89، وفي العام ‬2008 كان ترتيبها ‬40 بمجموع ‬88,7، وفي العام ‬2007 كان ترتيبها ‬36 بمجموع ‬89,2، وسبقتها في الترتيب بالنسبة للدول العربية سبع دول عربية، هي: الصومال، السودان، العراق، اليمن، لبنان، موريتانيا، وسوريا، وبعدها ليبيا. ولعل هذا التقرير السنوي يقدم لنا تفسيرا علميا مبنيا على مؤشرات واقعية محايدة، ليست لها مصلحة في زعزعة الأنظمة هنا أو هناك، إلا أنه يحاول أن يفهم ثورات الشعوب التي بدأت تخط لها بدايات جديدة، مبنية على مقومات صحية لمستقبل أوطانهم الذي بات على المحك.

فالعالم من حولنا يتغير ويتطور ويتجه نحو التكامل، ونحن لا نزال نبحث عن حرية مشروعة ومطالبات متواضعة. فالذي يراه الأميركي مثلا حقوقا، ما زال يراه البعض في عالمنا العربي مجرد أحلام، وهذه هي الحقيقة المغيبة عن البعض الذي لا يدرك مقدار البؤس الذي يسود في المنطقة، حيث تعيش نسب متزايدة من السكان تحت خط الفقر. وهذا الواقع المؤلم يؤكد عليه تقرير الجامعة العربية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي لسنة ‬2009، والذي يعترف بأن نحو ‬140 مليون عربي يعيشون تحت خط الفقر، أي ما يعادل ‬40٪ من سكان الدول العربية، وأن معدلات البطالة وصلت إلى المستوى الأعلى في العالم.

فلماذا لا نفهم ثورة الشباب حين يطالب باحتضان مناسب من قبل وطنه الذي يتقاعس عن تأمين حياة كريمة له، توظف طاقاته وترعى إبداعاته، وتكرس واقعه لخدمة مستقبله؟

إن ما تشهده المنطقة هو بداية إشراقة قد تحمل بكثير من الأمل بذور مستقبل أفضل للأمة العربية، فلماذا نبخل على أنفسنا بمشروعية الحلم، ما دامت هذه الأمة لم تعقم بعد؟!

 

كاتبة إماراتية