مخطئ من يعتقد أن البيان رقم «1» هو الذي صدر يوم الخميس الماضي عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية، فالبيان رقم «1» لم يصدر هذه المرة عن العسكريين كما تعودنا في كل الثورات التي سمعنا أو قرأنا عنها، أو عاشها البعض منا.
البيان رقم «1» صدر هذه المرة عن الشباب الذين تجمعوا في ميدان التحرير في القاهرة، يوم الخامس والعشرين من يناير معلنين بداية عصر جديد، بياناته مختلفة عن كل البيانات التي عهدناها، عصر جديد ليس في تاريخ مصر فقط، ولا في تاريخ الأمة العربية وحدها، وإنما في تاريخ شعوب العالم كلها، دون أن نغمط الشعب التونسي حقه في المبادرة والسبق، وكتابة الفقرة الأولى لهذا البيان المختلف.
وصفوها بأنها ثورة بلا رأس، لأنهم اعتادوا سماع البيانات التقليدية الصادرة بأسماء الأشخاص وحركات الضباط. لم يدركوا أنها ثورة مختلفة، لا تصدر بياناتها بالطرق التي اعتادوا سماعها، ولا عبر وسائل الإعلام التي اعتادوا سماع بيانات الثورة منها، ولا باللغات التي عفا عليها الزمن فلم تعد صالحة لهذا العصر، لأن الذين فجروا هذه الثورة، لم يستطع التواصل معهم أولئك الذين أصموا آذانهم وأغلقوا عيونهم وأشاحوا بوجوههم عن مطالبهم. لذلك كان بيانهم الأول مختلفا عن البيانات التقليدية للجيوش التي اعتادت استخدام القوة الخشنة، بينما لجأ جيل الفيسبوك إلى القوة الناعمة فنجح، ليس في تحييد القوة الخشنة فقط، وإنما في اجتذابها للاصطفاف إلى جنبه، حتى تحقق له ما أراد، وقلب الموازين، وغير وجه التاريخ، ليغلق صفحة لطخها الكثير من الأخطاء والممارسات التي تتقاطع مع مبادئ الثورات ومضامين البيانات الأولى، وتشوه الثورات وتنتهك طهارتها، كما رأينا عبر مراحل التاريخ المختلفة.
هنا نستذكر ما جاء في البيان رقم «1» لثورة 23 يوليو، الذي بدأ بالعبارة التالية: «اجتازت مصر فترة عصيبة في تاريخها الأخير من الرشوة والفساد وعدم استقرار الحكم. وقد كان لكل هذه العوامل تأثير كبير على الجيش، وتسبب المرتشون والمغرضون في هزيمتنا في حرب فلسطين». نستذكر هذا لنتساءل عما إذا كان التاريخ يعيد نفسه، بعد 59 عاما من قيام تلك الثورة التي شكلت تحولا في تاريخ المنطقة العربية، وأصبحت رمزا يستلهم منه طلاب الحرية النموذج الذي ينشدونه لنجاح ثوراتهم. لكن الثورات كثيرا ما تحتاج إلى التصحيح عندما يحيد أبناؤها عن الطريق الذي اختطته ثوراتهم لنفسها، أو يسيؤون استخدام سلطاتهم، أو يحيطون أنفسهم بالدخلاء الذين يشوهون صورة تلك الثورات، وينتهكون طهارتها، ويحولونها إلى شركات خاصة ودكاكين مغلقة عليهم، وعلى ذويهم والمقربين إليهم من أصحاب الذمم الواسعة.
البيان الذي أصدرته ثورة 25 يناير، بيان مختلف عن كل البيانات التي عرفتها الثورات على مدى التاريخ القديم والحديث، لأنه صدر بلغة جديدة مختلفة عن لغة العسكر، ووُزِع عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي ابتعد عنها المتربعون على كراسي السلطة، واستهانوا بها، ولم يعرفوا تأثيرها ومدى قدرتها على اختراق الأسوار، والوصول إلى طبقات الشعب التي ابتعدوا عنها فلم يشعروا بمعاناتها، ليست المعاناة المادية فقط، وإنما المعاناة المعنوية المتمثلة في الحجر على أفكارهم، وحجبها وقطع كل مصادر النور عنها.
زمن جديد يتشكل على أيدي هؤلاء الشباب الذين استخف بهم قاطنو الأبراج العاجية، فأنزلهم الشباب من أبراجهم التي حسبوها منيعة، في حركة سوف يتوقف التاريخ عندها طويلا، محللا كل ما أحاط بها من الداخل والخارج، في محاولة لاستنباط الدروس منها. زمن يطوي صفحات كادت تفقدنا الأمل في بزوغ فجر جديد طال انتظارنا لبزوغه، حتى كاد يقتلنا اليأس ويغلق كل أبواب الأمل في وجوهنا، ويحولنا إلى موميات تسكن متاحف التاريخ، لكنها موميات لا قيمة لها، لأنها لم تحرك ساكنا ولم توقف متحركا.
آفة الثورات هم الذين يقفون في المنطقة الرمادية وعلى خطوط التماس، انتظارا لانجلاء غبار المعركة، كي ينضموا إلى الفريق الفائز في الوقت المناسب ليشتركوا في قطف ثمار النصر. وآفتها المتسلقون الذين يركبون الموجة في مرحلة متأخرة، قبل الوصول إلى النهايات السعيدة لينالوا نصيبهم من الإنجاز الذي يعتبرونه غنيمة.
لهؤلاء وأولئك، نقول إن جيل 25 يناير قد تجاوز مرحلة السذاجة الثورية، ووُلِد أكثر وعيا مما يتصورون ونتصور. لذلك نحن مطمئنون إلى أنه يستطيع فرز كل المستغلين لنجاح الثورة والمتطلعين إلى التسلق على أكتافها، وأنه قادر على إعادتهم إلى أحجامهم الطبيعية، قبل أن يتضخموا ويسجلوا أسماءهم في كشوف البطولة.
ولّى إذن زمن المراهنات، وأقبل زمن جديد لا مجال فيه للمغامرة بما تم تحقيقه من إنجاز. وعلى كل أولئك الذين راهنوا على الأحصنة الخاسرة، أن يعيدوا حساباتهم ويطلوا على المشهد من زاوية جديدة، تكشف الجانب الصحيح من الصورة التي عاد إليها رونقها، بعد أن نفض شباب تونس ومصر الغبار عنها.
تستحق هذه الأمة عهدا جديدا يعيد إليها مكانتها ودورها اللذين انتزعا منها بفعل فاعل، من الداخل الذي استغل الخارج جهله بحركة التاريخ وتجاهله لمنطق الأشياء، حتى وجد نفسه خارج المشهد، في لقطة سوف يقف التاريخ عندها طويلا، لأنها لقطة نادرة طال انتظار الكثيرين لها، حتى كادت تصبح حلما يصعب تحقيقه، فإذا بها تتجسد على الأرض واقعا ما زال يصعب على الكثيرين تصديقه.