أَسَرَني التلفزيون منذ الخامس والعشرين من يناير إلى كتابة هذا المقال (مساء الجمعة العظيم في الحادي عشر من فبراير)، إذ جلست خلال هذه المدة تقريباً أمام شاشته طوال الوقت، منذ الصباح الباكر إلى منتصف الليل. وفي هذا الوقت الطويل كنت أتنقل من فضائية إلى أخرى، وظني أن الملايين من أمثالي في مشارق الوطن العربي ومغاربه، كانوا يفعلون الشيء ذاته، فأحداث هذه الفترة ستبقى طويلاً في ذاكرة الشعوب العربية، وستخلدها كتب التاريخ وتسطرها بحروف من الذهب.

كيف لا تأسرني شاشة التلفزيون وتأسر الملايين من أمثالي، وهي تنقل عبر أثيرها صور أبناء الشعب المصري، بكل فئاته وطوائفه وأطيافه السياسية وطبقاته الاجتماعية، وهم ينزلون إلى الشوارع متظاهرين بشكل سلمي حضاري، ليُعَلِّموا العالم أجمع ويُعلِموه كيف ينتفضون ضد الظلم ويحققون ثورة شعبية، دون اللجوء إلى العنف، بل لقد رفعوا شعار «سلمية.. سلمية» وهم يواجهون قوات الأمن المركزي المدججة بالسلاح، فضلاً عن «البلطجية» المأجورين الذين كانوا يستخدمون الرصاص وقنابل المولوتوف والحجارة، بل إن هؤلاء هجموا على المتظاهرين في ميدان التحرير بالخيول والجمال، ظناً منهم أنهم سيروّعون هؤلاء ويثنونهم عن هدفهم ويفتوا من عضدهم.

لكن إرهاب قوات الأمن المركزي وبلطجية الفساد، لم تزد هؤلاء الثوار الشباب إلا إصراراً وثباتاً على مبادئهم، ومطالبهم الأساسية من أجل الحرية والعدالة والعيش الكريم. إن قوة الإيمان بالمبادئ وبالتضامن والتلاحم الشعبي، جعلت هؤلاء الشباب يتغلبون على قوة وعنف الأجهزة الأمنية الفاسدة، التي أذاقتهم طوال عقود طويلة ألوان العذاب والمهانة، فلا عجب إذن ان اتجهت الجماهير إلى عربات الأمن المركزي وأقسام الشرطة لتحرقها وتضرم فيها النيران.

المسيرة السلمية التي خرجت في الثلاثاء العظيم الخامس والعشرين من شهر يناير، قوبلت بالقمع المفرط والقوة الغاشمة والاعتقالات من قبل الشرطة، دون اكتراث بحق المواطن المصري في التظاهر والتعبير عن نفسه بشكل سلمي. ورأينا بأم أعيننا كيف كان استهتار تلك الأجهزة بحياة هذا الإنسان الوديع بطبعه. فالرصاص الحي كان يوجه إلى صدور المتظاهرين العزل، وتقوم سيارات القوات الخاصة بدهسهم، ناهيك عن الضرب والاعتداءات الجسدية الأخرى. أما ما جرى في أقسام الشرطة، فأخباره تقشعر لها الأبدان.

هكذا قدم الشعب المصري أكثر من ثلاثمائة شهيد، قرباناً لتحرره، عدا عن آلاف الجرحى. وفي الوقت الذي سارع فيه الكثيرون إلى أقسام الشرطة ومقرات «الحزب الوطني» الحاكم سابقاً، ليضرموا فيها النار كرموز للسلطة الجاثمة على صدورهم، فإنهم حموا بصدورهم العارية الممتلكات العامة التي تعود إلى الشعب جميعاً؛ كالمتحف المصري، الذي يحوي مقتنيات لا تقدر بثمن، والذي كان مطمعاً للسارقين والباحثين عن الثروة بأي وسيلة.

لقد أظهر الشعب المصري عمق حضارته الضاربة أطنابها في التاريخ، والممتدة لأكثر من سبعة آلاف سنة، حينما اختار لنفسه طريق التعبير السلمي، ولكن بعزيمة وإصرار، للمطالبة بحقوقه المشروعة، وهذا ما جعله موضع احترام العالم أجمع ومحل تعاطفه. في المقابل، اختار زبانية الفساد وبلطجيتهم العنف، على مرأى ومسمع العالم، وقد أفقدهم ذلك أي تعاطف حتى من الحكومات التي ما فتئت تدعم النظام السابق. ولقد لمست ذلك من تتبعي الدقيق للقنوات الفضائية الأجنبية، كـ«بي بي سي» (الإنجليزية) و«سي أن أن»، على سبيل المثال وليس الحصر.

الثورة المصرية هي ثورة قوى جديدة تريد أخذ مكانها تحت الشمس، ضد قوى قديمة أكل الدهر عليها وشرب وباتت خارج الزمن. لقد فاجأت حركة الشباب، بأساليبهم الحديثة للدعوة إلى الاحتشاد والتظاهر، أركان النظام العتيق وأخذته على حين غرة! والحق، أنها لم تفاجئ النظام فقط، بل فاجأت قوى المعارضة التقليدية التي ظلت تقارع النظام مدة طويلة دون جدوى! فهؤلاء الشباب استخدموا الوسائط الحديثة للتواصل والاتصال، كالفيس بوك واليوتوتيوب، والهواتف النقالة الحديثة وإمكانياتها الهائلة في التصوير والنقل وغيرها. أما النظام البوليسي فقد بقي على أساليبه القديمة، في القمع الفاضح وأجهزة الإعلام الرسمية التي ظلت هي الأخرى خارج الزمن وغائبة عن الواقع الماثل على الأرض. وبالطبع، فكل المصريين يعرفون إعلامهم الرسمي، ولم يكونوا بحاجة إلى اكتشافه من جديد!

لكن ما أن بدأت الأمور تتغير ويسقط النظام، حتى تغيرت الاتجاهات، أحياناً أكثر من ‬180 درجة، وسارعت وسائل الإعلام الرسمي تتسابق في نقل الحدث ومواكبته، بعد أن كان بعض أركان هذا الإعلام ومسؤوليه يتهمون الفضائيات الأجنبية، بأنها هي التي صنعت «الأحداث» من خلال مراسليها المنتشرين بين المتظاهرين!

ولعل الثورة المصرية قد كشفت لنا قوة الإعلام في عصرنا الحديث، عصر العولمة، حيث بات إخفاء الحقائق والأحداث من أصعب الأمور على الحكومات الاستبدادية، التي تريد إغلاق حدودها وتسورها بحوائط عالية. فكل كميبوتر قادر على نقل الأخبار والصور، وكل حامل هاتف نقال قادر على أن يكون مراسلاً يبعث بالأخبار المصورة من كل ركن من الأركان. إن وسائط التواصل والاتصال هذه قوة للتغيير في عصر العولمة.

على العموم، مبروك للشعب المصري ثورته المجيدة، ويقيناً انها القاعدة التي سيرسي عليها النظام الديمقراطي الجديد.