على ممشى حول أحد الحدائق العامة يسير شيخ ملتح وتمر من جواره امرأة تتريض أقل ما يمكن القول عن ملابسها إنها تخلو من اللياقة، فيتمتم الرجل ببضعة كلمات في سره ويواصل السير. في منطقة سكنية محددة السرعة يتفاجأ احد المواطنين بسيارة تسير خلفه بسرعة فائقة فيفتح نافذة سيارته وإذا بسيدة أجنبية تلقي عليه بكلمات نابية داعية أياه للسير بسرعة وإفساح الطريق لها. وفي أحد المراكز التجارية يشتد الجدال ويعلو الكلام وتتدخل الشرطة بين سيدة مواطنة وأخرى أجنبية تدعوها الأولى إلى الاحتشام في ملابسها وتصر الأخيرة على حريتها الشخصية حتى ولو سارت شبه عارية. على الشواطئ وفي المنتزهات العامة حيث يتواجد الناس ليلا ونهارا يصر بعض الأجانب على ممارسة حريتهم الشخصية حتى لو كانت تلك الحرية مسيئة للذوق العام وعادات وتقاليد البلد. في بعض المناسبات والأعياد الأجنبية تكاد تشعر أن البلد تتهيأ لتلك المناسبات كما لا تتهيئ للمناسبات الوطنية والأعياد المعروفة. تدخل بعض الأحياء السكنية في بلادنا فتكاد تشعر بالغربة وكأنك دخلت منطقة محظورة خاصة عندما يوجه لك القاطنون في تلك الأحياء نظرة كالتي توجه للمتطفل والدخيل والغريب.
هذا بعضا من الكثير من المشاهدات اليومية والممارسات الكثيرة التي تقلق الرأي العام المحلي وتثير حفيظته وتجعله يشعر بالحسرة على ما يحدث في بلده. هذا يحدث الآن، فهل سألنا أنفسنا عن ما سوف يحدث مستقبلا في ظل هذه الكثافة الأجنبية غير المتجانسة التي تزحف على مجتمعنا وفي ظل هذا الخليط الثقافي والإثني الموجود وفي ظل عجزنا التام عن وضع بعض الضوابط الاجتماعية والخطوط الحمراء التي لا يجب أن يتجاوزها الأجنبي عند رغبته في العيش في مجتمعنا؟
منذ البداية كانت رغبتنا المعلنة في أن نكون بلدا منفتحا على كافة الثقافات والجنسيات، بلدا يتمتع فيه الجميع بحرياتهم المدنية ولا توجد قيود على الحريات الشخصية. وقد ساهم هذا الانفتاح المبرمج على جعل الإمارات بلدا يفضله الكثير من الأجانب. فلا ضرائب مالية تدفع، لا قيود اجتماعية توضع، ولا صعوبات في الحصول على وظائف تذكر، وفوق هذا وذاك تسهيلات وامتيازات كثيرة للعمالة الأجنبية سواء ذات الياقة البيضاء أو الزرقاء تعطى. ومنذ مجيئهم بدأنا نسمع بصورة يومية عن حقوق الإنسان وحقوق العمال وضمان الحريات الشخصية والخاصة، حريات سمعنا عنها وحريات لم نسمع. كل ذلك لخلق بيئة تضاهي، أو أحيانا كثيرة أفضل، من تلك التي قدمت منها تلك العمالة.
هذه الامتيازات التي لا يحصل عليها البعض حتى في بلدانهم الأصلية شجعت الكثير من الأجانب شبابا وشيبا على اختيار الإمارات كوجهة مفضلة للعمل أو الاستثمار أو حتى للتقاعد. وبالطبع هناك استفادة اقتصادية للبلد من هذا التوافد. فهؤلاء يمثلون قوة شرائية ضخمة وقوة اقتصادية تحرك الاقتصاد خاصة في فترات الركود. كما أن أقامة هؤلاء الطويلة بيننا تعمل على تنشيط قطاعات مهمة كالعقار وقطاع التجزئة وقطاع الخدمات وغيرها من القطاعات. ولذا عملت السياسات العامة ليس فقط على جذب هذه الفئة وجعل أقامتها بيننا مريحة وخالية من الصعاب والعوائق بل وعملت على تطويع القوانين العامة والاجتماعية حتى تخدم هذه الفئة وتجعل أقامتها بيننا خالية من المشاكل والعقبات.
ولكن ما لم نحسب حسابه هو أن هذه الفئات تأتي لنا بعقلية «العرض والطلب» ليس الاقتصادي ولكن الاجتماعي. فهي، في مقابل ما تنفقه من مال وما توفره للاقتصاد من حركة ومرونة تريد في المقابل أن تحضى بحياة تشبه، أو أفضل، من تلك التي تعرفها في بلدانها الأم وبالتالي إيجاد ثقافة اجتماعية مناسبة لها. وما علينا نحن إذا ما أردنا بقاءها ألا أن نطوع ونسخر لها كل امكانياتنا الاجتماعية والثقافية والقانونية لكي تعمل على خدمتها وموائمة متطلباتها المعيشية وأنماط تفكيرها الجديد وطرائق حياتها. فكم هي فادحة تلك الضريبة التي ندفعها؟
هناك بلدانا كثيرة في العالم منفتحة وتجذب الزائرين سياحا كانوا أو مقيمين ولكنها من ناحية أخرى، تضع خطوطا اجتماعية وقانونية حمراء لا يستطيع أي أجنبي أن يكسرها. كما أنها تتخذ إجراءات حمائية لحماية ثقافة البلد ولغته من الذوبان في بحر الثقافات القادمة. بل أن هناك بلدانا خليجية مجاورة تضع بعض القوانين واللوائح التي تحفظ ثقافة البلد وعاداته وتقاليده من الذوبان أو التأثر السلبي. ولكن في الإمارات الوضع مختلف. فهل الكثرة تغلب الفكرة؟
نحن هنا لا ندعو إلى الانغلاق أو العيش بعيدا عن الآخر. فقدرنا في مجتمع الإمارات منذ القدم وحتى الآن، هو أن نكون حلقة وصل بين الشرق والغرب. ويمكن أن يكون أبرز ما في حلقات الوصل أنها تتمتع بالمرونة الاجتماعية والثقافية التي تكتسبها من موقعها الجغرافي والاقتصادي. ولكن هناك فرق بين المرونة والذوبان وهناك بون شاسع بين التساهل وبين الانفلات. إذا فلا نشد للحبل كل الشد فنقطعه ولا نرخيه تماما فيكون عائقا في طريقنا نحن والآخر. بل نقول كما قال المهاتما غاندى «لا أريد لبيتى أن يكون مسورا من جميع الجهات... ولا أريد أن تكون نوافذي مغلقة، أريد أن تهب على بيتي ثقافات كل الأمم بكل أمن وحرية ولكن أنكر على تلك الرياح أن تقتلعني من جذورى».
أن تساهلنا في أمور اجتماعية كثيرة لخدمة هؤلاء القادمين الينا سوف يكون له مردود سلبي. فتدريجيا سوف نفقد السيطرة على وضع الضوابط الاجتماعية والقانونية وتكون النتيجة أننا خلقنا لأجيالنا القادمة مجتمعا لا هو بالمحلي ولا هو بالمختلط بل هو مجتمع مهجن لا ثقافة واضحة له ولا هوية ولا لغة. وتكون النتيجة كارثية اجتماعيا وثقافيا بل وحتى اقتصاديا. فلا نتوقع في حالة المحن، أو لا سمح الله، الكوارث، أن يبقي بيننا مستثمر أجنبي أو صاحب قوة شرائية عالية، فهؤلاء جميعا سوف يلجوؤن إلى مكان آخر يوفر لهم الأمن والأمان ويحمى رؤوس أموالهم، ومعهم سوف تهرب آمالنا ببناء مجتمع مثالي متعدد الثقافات والأجناس والأطياف.