لقد كشفت لنا الأحداث والتداعيات الجارية في كل من تونس ومصر مجموعة من الحقائق الجديدة على الساحتين العربية والدولية، واستطاعت أن تقلب موازين التوقعات بشكل دراماتيكي له بالغ الأثر على مستقبل المنطقة العربية بأسرها. فالمنطقة لم تعد كما كانت، وهذا بالطبع يعود إلى أحداث تونس ومصر. أول الحقائق التي كشفتها لنا الأحداث هي أن المنطقة العربية ليست كما قيل عنها انها منطقة عصية على التغير والإصلاح السياسي.

بل بالعكس تماماً فقد أثبتت هذه الأحداث والتغيرات الجارية أن المنطقة قادرة على إحداث التغيير والإصلاح السياسي والسعي نحو تطوير البنية الديمقراطية فيها. فالشعوب العربية تستطيع أن تقول «لا» لحكامها، وهي النظرة التي لم تكن موجودة في نظر المحللين والمتابعين للشأن العربي.

فعندما كتب صموئيل هانتغنتون كتابه «الموجة الثالثة» كان منتقداً بشكل لاذع للمنطقة العربية حيث اعتبرها بأنها أكثر المناطق جموداً وعدم قبول للتغيير ويصعب تحولها للديمقراطية. إلا أن أحداث تونس ومصر وقبلها العراق أثبتت بأن هذه المنطقة ليست عصية على التغير وليست ضد الديمقراطية بل أنها تواقة لها شأنها كشأن شعوب العالم الأخرى، فشعوبها تريد الإصلاح السياسي وتصبو للديمقراطية، وهذا في حد ذاته تغير جديد على الساحة العربية جاء بشكل أوضح نتاجاً للأحداث الأخيرة.

ثاني الحقائق التي أتت بها هذه الأحداث هي أن بعض الأنظمة العربية هي في الواقع أنظمة ضعيفة أمام شعوبها، وهي ليست كما قيل لنا عنها وخيل لنا بأنها أنظمة قوية ومسيطرة على كل مشارب الحياة في المجتمعات العربية. فسقوط نظام بن علي في تونس جلب الفرحة للغالبية الساحقة من الشعب التونسي، وأزمة النظام في مصر الذي لم يدافع عنه عموم الشعب المصري ولا حتى المليونا منتسب للحزب الوطني الديمقراطي. الأمر الذي يشير وبقوة إلى أن الشعوب أقوى من الأنظمة، وأنه في حالة ما تُقرر الشعوب الوقوف ضد أنظمتها فإن تلك الأنظمة تتداعى وتظهر على حقيقتها ولا تستطيع بالتالي المقاومة.

ثالث تلك الحقائق هي أن الأنظمة الفاسدة لا مستقبل لها، حيث انه مهما طال الزمن بتلك الأنظمة إلا ويأتي دورها في عجلة تطور ونمو الدول، فتدور عليها دائرة الخطر، وتصبح معرضة للزوال بسبب سياساتها الفاسدة. فالشعوب لا تطلب من أنظمتها أن تكون مثالية وتحاكي الغرب في شكل الحريات والواجبات، بل ان كل ما تطلبه هو الحكم الرشيد الذي يحارب الفساد ويمنع القهر والاضطهاد ويوزع الثروات بشكل عادل قدر الإمكان. فعندما ترى تلك الشعوب أن البعض يملك الملايين والمليارات بينما نحو نصف السكان تحت خط الفقر فإن ذلك يعني وبكل بساطة أن هناك فسادا ولا يمكن للشعوب البقاء مكتوفة اليد أمامه راضية عن ما تراه.

رابع تلك الحقائق التي أظهرتها لنا أحداث تونس ومصر هي أن التغيير يمكن أن يأتي من الداخل ولا يمكن أن يحدد فقط بأن مصدره الوحيد هو الضغط والتدخل الخارجي، فالكبت والفساد يولد الضغط الذي يودي إلى الانفجار، فلا يمكن أن نقول بأن التغير يأتي فقط من الخارج كما حاول جورج بوش الابن إبرازه للعالم، بل بالعكس لقد أثبتت أحداث تونس ومصر أن التغير يمكن أن يأتي من الداخل بقيادة عناصر وطنية، ولكن التغير الداخلي لا بد أن يساعده ضغط من الخارج، فلا يمكن للداخل أن ينجح من دون أن يلعب الخارج دورا إيجابيا في إنجاح هذا التغير؛ فالتغير لا بد أن يبدأ من الداخل ويساعده الخارج على النجاح.

وخامس تلك الحقائق هي أن تأثير الدومينو في أحداث التغيرات الداخلية في الدول العربية وارد بشكل واضح، حيث أن النجاح الذي حدث في تونس أشعل لهيب الثورة في مصر، وأن نجاح التحرك الشعبي في مصر سيلقي بظلاله على دول عدة مجاورة. لذلك ليس من الغريب أن نرى العديد من الدول العربية المتوجسة من ما يحدث في مصر تسارع إلى إدخال تغييرات وإصلاحات ما كانت لتحدث لولا أحداث تونس ومصر. وليس من الغريب أيضاً أن نجد تحركات شعبية على مستوى التحرك الشعبي التونسي والمصري يحدث في دول عربية أخرى وغير عربية.

وبغض النظر عن ما ستؤول إليه الأحداث في مصر، فإن أحداث تونس ومصر ستكون نقطة تحول جديدة في الواقع السياسي لمنطقة الشرق الأوسط، وسيكتب التاريخ أن هذين الحدثين كان لهما بالغ الأثر في إحداث نقلة جديدة في مفهوم المواطنة في المنطقة العربية بالذات، حيث ان هذا المفهوم ما عاد كما أرادت له الأنظمة الحاكمة بأن يكون مفهوماً مرتبطاً بالسمع والطاعة لها من دون مقابل، وإنما العدل والإنصاف هو أساس تحقيق المواطنة في الدول العربية في المرحلة القادمة.