في وقت بلغت أرباح الشركات الأميركية أعلى مستوى لها، وصل مؤشر داو جونز إلى 12 ألف نقطة، ارتفعت رواتب وول ستريت مجدداً، وتمتلك الشركات الكبرى أكثر من تريليون دولار من السيولة، فإنك تتوقع أن تعود الوظائف مرة أخرى. ولكن لن يكون في محله. أضاف الاقتصاد الأميركي 36 ألف وظيفة فقط في يناير الماضي، وفقا لمكتب احصاءات العمل. وربما كانت الظروف المناخية السيئة على نحو غير عادي أدت إلى عزوف البعض من أرباب العمل عن التوظيف. ولكن حتى بالنظر إلى هذه الظروف، لا يزال الاقتصاد متوعكاً بشكل فظيع. تذكروا أن هناك حاجة إلى 325 ألف وظيفة جديدة في الشهر لمواكبة الزيادة في عدد السكان الأميركيين الذين يريدون ويحتاجون إلى العمل. وهناك حاجة إلى 300 ألف وظيفة شهرياً، بشكل مستمر لمدة خمس سنوات، إذا أردنا أن نعود إلى مستوى يشبه حالة التوظيف التي كنا عليها قبل فترة الركود الكبير.
كيف يمكن للشركات الكبرى و«وول ستريت» أن تحقق ثراء فاحشاً وبقية أميركا تعاني ظرفاً في غاية التردي؟ فأرباح الشركات ترتفع، على الرغم من أن معظم الأميركيين مازالوا لا يشترون الكثير، لثلاثة أسباب. السبب الأول، هو أن الشركات تواصل تحقيق الثروة من البيع من عملياتها الخارجية. الثاني، هو أن الشركات الكبرى لا تزال تظهر أرباحاً عن طريق إبقاء تكاليفها منخفضة داخل الولايات المتحدة، خاصة تكاليف العمالة لديها. فهي تواصل تعهيد العمل في الخارج، أو استبدال الآلات المحوسبة والآلية بالعمال. أما السبب الثالث، فهو أن أسعار الأسهم ترتفع نتيجة المضاربة في وول ستريت. ويبقي مجلس الاحتياط الفيدرالي أسعار الفائدة قريبة من الصفر، ويمنح بنوك وول ستريت حق الوصول إلى أموال أرخص من خلال نافذته الخاصة بالإقراض. فلا شيء يجعل المتداولين في وول ستريت أكثر سعادة من المال المجاني الذي يراهنون عليه.
النتيجة هي أن أميركا بها اقتصادان.أولهما يبقى في حالة ركود. والثاني يتمتع بتعافٍ قوي.
لا يزال الأميركيون في الاقتصاد الأول يكابدون جبلاً من الديون وفقدان الوظائف. ويقترب المعدل الرسمي للبطالة من 9٪، ولكن من خلال تقدير من يعملون بدوام جزئي ولكنهم يحتاجون إلى وظيفة بدوام كامل، وغيرهم ممن يشعرون بإحباط شديد بحيث انهم لا يبحثون عن عمل، فإن المعدل الفعلي هو أقرب إلى 17٪.
الأميركيون في هذا الاقتصاد الأول يمتلكون أسهماً محدودة، أو أنهم لا يمتلكون أسهماً. أصولهم الرئيسية هي منازلهم، التي تواصل قيمها الانخفاض. في الشهور القادمة، سوف يواجه الأميركيون في هذا الاقتصاد الأول ارتفاع أسعار الغذاء والوقود بشكل حاد.
يتسم الأميركيون في هذا الاقتصاد الثاني، في المقابل، بأنهم إداريون ومهنيون وجامعيون.
تتركز معظم مدخرات الأميركيين في هذا الاقتصاد الثاني في الأسهم والسندات، وهم الآن يعيشون بشكل جيد بعيداً عن أرباح الشركات العالمية. يركب الـ 10 الأغنى من الأميركيين، الذين يمتلكون 90٪ من جميع الأصول المالية، موجة ارتفاع الأسعار في سباق سوق الأسهم. فقد منح انفاقهم الضخم تجار التجزئة والمنتجين التعافي من جديد. يندرج معظم الأميركيين ضمن الاقتصاد الأول، ولكن الاقتصاد الثاني يعد أكثر وضوحاً وتأثيراً. ولهذا السبب تسمعون عن أن الاقتصاد الأميركي يتعافى، في الوقت الذي لا يعتبر الأمر كذلك بالنسبة لمعظم الناس. يرى ممثلونا في واشنطن ويسمعون في الغالب من الناس في الاقتصاد الثاني. تغطي الصحافة الاقتصادية بشكل رئيسي أخبار الاقتصاد الثاني. يشعر الاقتصاديون في الشركات ووول ستريت بقدر كبير من القلق إزاء الاقتصاد الثاني.
يعتقد أهل الاقتصاد الثاني، مع غالبية الموقف الرسمي في واشنطن والصحافة الاقتصادية، أن الاقتصاد الثاني في نهاية المطاف سوف يجذب الاقتصاد الثاني إلى انتعاش اقتصادي قوي. فإذا لم يتعاف الأول، فسوف يجر الثاني إلى الركود. يعتمد استهلاك أغنى 10٪ من الأميركيين على الارتفاع المستمر لسوق الأسهم. سوف ينتهي ما يسمى بـ «تأثير الثروة»، الذي يحفز قدرتهم الشرائية عندما تنفذ القوة المحركة من السوق الصاعدة. ولكن لا يمكن أن تستمر أرباح الشركات في الارتفاع دون انتعاش يعتمد على المستهلك بشكل موسع في أميركا. المبيعات في الأسواق الخارجية غير كافية. ذلك أن أوروبا تتبنى بشكل مكثف تدابير تقشفية، عبر تقليص الميزانيات العامة وزيادة الضرائب. فهذه التدابير تعمل بالفعل على تباطؤ النمو هناك. وترفع الصين أسعار الفائدة لديها. فهي قلقة إزاء كل من الاقتصاد المحموم وارتفاع معدل البطالة. وستكون النتيجة هي حدوث تباطؤ في المبيعات من العمليات الخارجية للشركات التي تتخذ من أميركا مقراً لها.