يطيب لمن يستسهلون تفسير الأحداث كبيرها وصغيرها القول إن انفصال جنوب السودان جاء نتيجة مؤامرة أميركية صهيونية، وأن أية أقلية إثنية أو طائفية أو إقليمية أو مطلق أقلية تعمل لنيل حقوقها، وتطالب بالامتيازات التي منحتها لها المواطنة أو تدعو لحقها في تقرير مصيرها إنما هي متواطئة مع الخارج، الأميركي أو الأوروبي أو الإسرائيلي ومعادية للوطن، ومتآمرة عليه، وتستحق اللعنة والتضييق عليها وقمع نشاطها، والتعامل مع أبنائها كخارجين عن القانون، وخونة للأمة العربية وقضاياها القومية المقدسة، ودعاة للانفصال والتقسيم وتفتيت وحدة الأراضي الوطنية، وما شابه ذلك. ولم يحاول هؤلاء ولا غيرهم، سواء من أهل الأنظمة السياسية أم من أعوانهم أم حلفائهم أم أصدقائهم أن يدرسوا مثل هذه الدعوات والنشاطات التي تدعو إليها أو تقوم بها الأقليات. أو يتعرفوا على الظروف التي تعيش فيها هذه الأقليات، أو يحاولوا معرفة حقوقها وتحديد هذه الحقوق والعمل على وضع البرامج لنيلها، وبناء سد حاجز عال بينها وبين مطالب الانفصال أو الاستقلال، أو على الأقل إيجاد الظروف التي تجبرها على أن تحسب ألف حساب فيما إذا قررت الانفصال، وأن لا يصطف أبناؤها تلقائياً إلى جانب دعاة الانفصال من ذوي النوايا السيئة فعلاً لا افتراضياً أو حق تقرير المصير أو العمالة للأجنبي أو المغامرين أو المتطرفين قومياً ودينياً.
ترفض الأنظمة السياسية العربية الاعتراف بأن دعوات الانفصال الصادرة عن الإثنيات أو الطوائف أو الأقليات أو بعض أحزابها و تياراتها السياسية، إنما هي نتيجة تراكم عدة أسباب وعوامل متعددة ومتشابكة، وأن من أهم هذه العوامل رفض الأنظمة السياسية العربية المعاصرة، التعامل مع أبنائها كمواطنين كاملي المواطنة، لهم حقوق مواطنيهم الآخرين، وعليهم واجباتهم، وذلك باحترام ثقافتهم والسماح لهم بتطويرها وممارستها وتعلم لغتهم إضافة إلى لغة البلد الأم، وممارسة عباداتهم كما تقضي هذه العبادات، وقبولهم بوظائف الدولة حسب كفاءاتهم وإمكانياتهم، وتولي المناصب السياسية والأمنية والعسكرية شأن المواطنين جميعاً، وتطوير البنية التحتية لمناطقهم، وتنفيذ برامج تنمية شاملة فيها. والتعامل معهم كمواطنين من الدرجة الأولى كاملي الحقوق والواجبات، أي باختصار احترام حقوقهم الفردية والقومية، وعندها فقط يمكن اعتبار من يطالب منهم بالانفصال ممالئاً للأجنبي، ومعاديا لوحدة الأمة أو وحدة التراب الوطني أو مغامراً ومتطرفاً ومتآمراً يستحق أقصى العقوبات.
مرت الأنظمة العربية المعاصرة حتى الآن بتجربتين مُرتين وقاسيتين نتج عن كل منها في الواقع مأساة وطنية، دون أن تتعظ هذه الأنظمة من هاتين التجربتين، وهما تجربة الأكراد في شمال العراق وتجربة انفصال جنوب السودان، فقد حقق الأكراد واقعياً وعملياً ما يشبه الانفصال (جيش مستقل، اقتصاد مستقل، استثمار للنفط مستقل، علاقات خارجية شبه مستقلة، ممثلون لهم في سفارات العراق، عدم الاهتمام باللغة الرسمية للدولة المركزية، ولابمصالحها، أو إقامة علاقات واهية معها، فضلاً عن علم خاص ونشيد وطني أيضاً...الخ) وما استمرار بقائهم موحدين مع العراق في الواقع إلا لأن مصالحهم تقتضي ذلك وليس احتراماً للدولة المركزية، ولاستحالة إعلانهم دولة مستقلة الآن، وما من أحد يستطيع منعهم من إعلانها إذا تحققت الشروط المناسبة، وهم يربحون من هذه العلاقة مع الدولة (الفيدرالية) في مختلف المجالات، في الوقت الذي ينفذون فيه برامجهم المستقلة وسياستهم المستقلة ومصالح إقليمهم بالدرجة الأولى والأخيرة.
أما التجربة الثانية أعني (تجربة جنوب السودان) فقد أدت إلى انفصال صريح وتقسيم لأراضي السودان وتفريط بوحدة هذه الأراضي، وتشكيل دولة جديدة مستقلة. ولا يقتصر الأمر على هاتين التجربتين بل هناك مشاكل أخرى مازالت معلقة في البلدان العربية، مثل مشكلة الأمازيع في بلدان المغرب والأكراد في سورية... ومادامت الأنظمة العربية تتعامل مع هذه الأقليات الإثنية التعامل نفسه أي إنكار حقوقها الثقافية والقومية والاقتصادية وحقها في التنمية وقبول أبنائها كمواطنين كاملي المواطنة في وظائف الدولة المدنية والعسكرية، فإنها مرشحة لمشاكل جديدة لايعلم أحد أبعادها، وقد تؤدي إلى فتن وتمرد أو انفصال أو غير ذلك.
إن المعالجة المسؤولة والوطنية لقضايا الأقليات الإثنية في البلدان العربية هي أن تستوعبها الأنظمة السياسية، وتحترم حقوقها ومطالبها واحتياجاتها المعاشية، بحيث يشعر أبناؤها أنهم مواطنون حقيقيون، وعندها يتعذر عليهم القفز للمناداة بشعار حق تقرير المصير أو الانفصال، بعد أن تفقد هذه الشعارات مبرراتها، فلو تم التعامل مثلاً مع جنوب السودان بهذه الصفة لما وصل الأمر إلى ما وصل إليه، ولكن الخطأ الكارثي الذي ارتكبته الأنظمة السياسية السودانية منذ الاستقلال حتى الآن، وخاصة منذ نظام الرئيس النميري، هي أنها لم تطبق أية تنمية جدية ولا شاملة ولامتوازنة ولا مستدامة، فلا طرقات ولا مستشفيات ولا مدارس ولا مصانع ولامنشآت زراعية جديدة، رغم المياه الكثيرة والأراضي الخصبة، إضافة إلى اختراع تطبيق الشريعة الإسلامية الذي نادى به النميري ثم البشير على السكان في الجنوب وهم إما مسيحيون وإما إحيائيون. فكيف تطبق عليهم الشريعة، وبأي شريعة يتم هذا.
تراكمت الأخطاء منذ عشرات السنين، وازدادت تلال الظلم على هؤلاء الجنوبيين، وأتيح المجال للإسرائيليين والأميركيين والأوروبيين والآخرين أن يتلاعبوا بهم في مناخ مناسب شاركت في صنعه الأنظمة السياسة السودانية وهي تتنصل الآن من أخطائها، ولم تتذكر سوى جانب واحد من الأسباب وهو التآمر الأجنبي. وتجاهلت القول (يداك أوكتا وفوك نفخ).