التعرف على مشاكل الإنسان في العالم العربي وفي عموم منطقة الشرق الأوسط رغم تبايناتها، أمر ضروري جداً على مستويات متعددة ومحاور مختلفة، في جميع الظروف والأحوال، وليس في حالاتها الاستثنائية فحسب. ومن الضروري كذلك أن تظهر الدراسات التي تجرى إلى العلن، للتعرف على حجم هذه المشاكل وعلى مدى عمقها في بنية المجتمع، وعلى مستوى خطورتها الأمنية، وذلك مقدمة للمشاركة في معالجاتها بالاشتراك مع منظمات المجتمع المدني، ففي ذلك خدمة لأكثر من جهة، في مقدمتها الجهات المسؤولة التي تصنع القرارات في دول المنطقة. ورغم أن هذه المشاكل تختلف من فرد لآخر في هذه المنطقة القلقة جداً من العالم، إلا أن فيها الكثير مما هو مشترك وخطير والذي قد يصبح، في ظروف معينة، عامل أرق وقلق لبعض الأنظمة الحاكمة، يهدد بزعزعة استقرارها ويجرها لمواجهة غضب شعبي قد لا تقوى على مواجهة حمم براكينه عند انفجارها.
لم يعد الفرد في هذه المنطقة من العالم يُسطِر ما يشعر به من مشاعر الغبن والضيم والحزن والألم واليأس، في صمت وكتمان على جدران صومعته أو يدخرها حية في خلجات ذاته المتعبة، فقد أصبحت المشاكل المشتركة، التي يعاني منها الشباب، بحكم ما يتوافر لديهم من وسائل الاتصالات الحديثة المتنوعة التي صنعها عصر العولة الذي نعيشه، عاملاً ذا أهمية استثنائية في خلق وصناعة وتجييش قوة جبارة تفرض سلطتها وجبروتها في الشارع، كما شهدنا ذلك مؤخراً في أكثر من عاصمة عربية اهتزت وتراجفت فيها أوصال كبارها. فقد تحولت المعاناة الفردية التي يرزح تحت ثقلها الإنسان، من ظاهرة تذمر فردية ضعيفة لا تقوى على الإفصاح عن نفسها، إلى ظاهرة جمعية قوية وخطيرة تهز أركان أقوى الحكومات، وذلك حين وجد الإنسان المحروم، بشكل عفوي غير مدروس، أنه ليس وحيداً في محنته وحرمانه وتذمره، وإنما هو نسخة مكررة للآلاف، أو بالأحرى للملايين من أمثاله أنتجتهم، بوعي وتخطيط منظم، ماكينات الإلغاء والتهميش التي لا تكل عن العمل ليل نهار، في كل مكان من هذا الشرق الأوسط المبتلى بالرزايا الكبار، من المحيط إلى الخليج.
مشاكل الإنسان في هذه المنطقة من العالم، تستوقف الباحث وتدعوه للتأمل والتفكير في أسبابها وفي تداعياتها، فهي معقدة بما فيه الكفاية، لأنها ليست وليدة اليوم أو الأمس أو اليوم الذي قبله، بل نتاج تراكمات وتراكمات على أمد غير قصير. يشتبك في ثنايا هذه المشاكل شديدة التعقيد، صُناعها وضحاياها في ظل انتهاج سياسات فوقية متعالية، قاصرة عن تفهم ما قد ينجم عن تجاهل أحلام الشباب ومصادرة وسلب مستقبلهم من تداعيات، من جهة، وعاجزة في الوقت نفسه، عن انتهاج سياسات تعبر عن وعي وتفهم لجدلية الصراع بين ثقافة ماضٍ يفرض حضوره بقوة في حياة المجتمع، وثقافة حاضر يتسلل بخطى الواثق من نفسه إلى كل مفصل من مفاصل حياة هذا المجتمع، من جهة أخرى.
فحين تختلط مشاعر الغضب والقلق والخوف والتوتر والظلم والقهر والضياع والشعور بعدم الأمان، ببعضها البعض، وتختلط بكل ما هو سلبي في حياة الفرد، توصله بكل تأكيد، ورغماً عنه، إلى حالة ذهنية تسمح للإحباط واليأس أن يحتل أوسع ساحاتها، وتشعره بالعجز التام، وتبعده مسافات ومسافات عن واحات الأمل، فتتقطع به سبل النجاة. حالة الإحباط هذه التي تواجه الإنسان وتقف حائلاً أمام تنفيذ رغباته وتقتل فيه روح الطموح، تنتزع منه، في الوقت نفسه، أسباب الخوف وتحرره من هيمنتها، وتحول الوجه السلبي للإحباط إلى وجه آخر إيجابي وفعال، ينفجر ليصنع غدا آخر حين يجد هذا الفرد نفسه وسط حشد كبير يشترك معه في مشاعره وأهدافه. عند ذاك يتحول الإحباط من قوة سلبية ساحقة ومدمرة للفرد، إلى قوة إيجابية جبارة تدفع نحو التغيير.
حين يدرك الإنسان أن هناك من يمنعه من تحقيق أهدافه، يتحول إحباطه عادة إلى الرفض الذي قد يتخذ في بعض الأحيان طابع العدوانية، عندما تتوافر ظروف تسمح وتشجع على ذلك. وكلما حصل هذا المنع والإنسان أكثر قرباً من تحقيق هدفه، كلما كان الإحباط أكبر حجماً. فسلوك الأفراد المتجهمرين في مكان واحد، يتسم عادة بالطابع الانفعالي والعاطفي، يتخلله صراخ وصياح وقد تتخلله أعمال تخريب وحرق وعنف. يعير علم النفس الاجتماعي سلوك الجمهور وأفراده أهمية خاصة، فسلوك الفرد وتفاعله مع الآخر وقت التجمع في حشد كبير في مكان معين، يختلف كثيراً عن سلوكه وهو منفرد لوحده. فالسلوك الجمعي وسط الحشد، يتسم بخروج المشاعر المكبوتة لدى الفرد من كهوفها، دون خوف أو وجل، وذلك لطغيان الإحساس بالأمان الذي يغمر الفرد وسط هذا الحشد الذي يساعده، بل يدفعه إلى التماهي مع الضمير الجمعي الذي ينبثق عن هذا الحشد، وسط هدير الأصوات التي تتعالى هتافاتها بترديد الشعارات والمطالب الجماعية. وفى حالات كهذه يتشكل عفوياً ما يمكن تسميته «النفس الجمعية»، وكأن الحشد قد بدأ يفكر ويتصرف ككائن حي واحد.
في هذا السياق يصف لنا المفكر وعالم الاجتماع الفرنسي غوستاف لوبون، وهو أول من بحث في سيكولوجية الحشد وأصدر كتابه الموسوم «سيكولوجية الجماهير» أواخر القرن التاسع عشر، خصائص الحشد فيقول: «أيا تكن نوعية الأفراد الذين يشكلونه، وأيا يكن نمط حياتهم متشابهاً أو مختلفاً، وكذلك اهتماماتهم ومزاجهم أو ذكاؤهم، فإن مجرد تحولهم إلى جمهور يزودهم بنوع من الروح الجماعية، وهذه الروح تجعلهم يحسون ويفكرون ويتحركون بطريقة مختلفة تماماً عن الطريقة التي كان سيحس بها ويفكر ويتحرك كل فرد منهم لو كان معزولاً».
تسمح أجواء هذه الظاهرة الجمعية بالانتقال السريع للأفكار والأفعال والحركات بين الحضور، دون أي تفكير أو اعتراض أو تلكؤ من قبل من هو في الحشد، وذلك لتراجع قوة الإرادة الفردية أمام قوة الإرادة الجمعية للحشد. وهذا في الحقيقة مصدر خطر على النظام المعتاد في الحياة، إذ من السهولة بمكان أن يتحول سلوك هذا الحشد إلى العنف والتدمير، وهو بالذات سبب تخوف السلطات الحاكمة من الحشود الجماهيرية، وإصرارها على وضعها تحت رقابتها، عن طريق تشريع القوانين ووضع الشروط لترخيص هذه التجمعات والتظاهرات.