لا شيء في المساجلة الإسرائيلية الجارية الآن، يفضي إلى التفاؤل. لقد ضاعف فشل التفاوض حول الاستيطان وخيار الدولة اليهودية الصافية، من المستقبل الرمادي الذي يحكي الإسرائيليون سيرته بكثير من الريبة.
لقد كان لي أن أقرأ في شيء من التأمّل، محتوى رسالة بعث بها الكاتب الإسرائيلي المعروف «آري شافيط» إلى نتانياهو قبل بضعة شهور، ووجدت أن أستلُّ منها هذا المقتبس الحرفي، لما فيه من دلالات. يقول شافيط ما يأتي:
«سيدي رئيس الوزراء، إليك حقائق أساسية: عصر الرأفة الذي منحته اوشفيتس وترابلنكا لدولة اليهود آخذ في الانتهاء، والجيل الذي شهد الكارثة نزل عن المنصة. وأما ذلك الجيل الذي يذكر يهود العالم بالكارثة، فإنّه آخذ في الاختفاء.. حتى عندما نكون محقّين فإنهم لا ينصتون لنا، وعندما نكون ملاحقين لا يهرعون لنجدتنا. الريح تهب ضدنا، إن روح عصر القرن الواحد والعشرين تهدد بالقضاء على الصهيونية».
ومن باب النصح الذي يسديه شافيط لزعيمه، يروح ينبّهه إلى المضي في صفقة العمر: أن نعرض على السوريين الجولان مقابل إيران. وأن نعرض على أبو مازن دولة بحدود مؤقتة. وأن نبادر إلى فك ارتباط ثان محدود. وأن ننقل إلى سلام فياض المناطق التي تتيح له أن يبني فلسطين سوية العقل. وأن نتوصل إلى اتفاق مع الأسرة الدولية على الخطوط الرئيسة لتقسيم البلاد إلى دولتين قوميتين...».
إلى هذا الكلام، ثمّة الكثير مما يوازيه. حيثُ تزخر البيئة الفكرية السياسية في إسرائيل، بما لا حصر له من تنبيهات تتعدى الحوادث والمحطات السياسية العارضة. بل هي تصل مبلغاً من الإحساس بالخطر، إلى الحدّ الّذي يستعيد أسئلة تتعلق بمصير الدولة الصهيونية برمتها. أسئلة تنطلق من الإحساس إياه الذي عكسته آراء المؤرخ البريطاني اليهودي طوني جوديت، وبيّن فيها أن إسرائيل هي أدنى «مغالطة تاريخية»، ثم راح يشكّك في أصل القيامة الإسرائيلية الأولى، ليجد أن المشكلة مع إسرائيل، لا تتوقف على كونها تشكل موقعاً متقدماً لأوروبا في العالم العربي، وإنما لكونها قد نشأت في وقت متأخر للغاية، حاملة معها مشروعاً تقسيمياً يعود الى نهايات القرن التاسع عشر، ذلك أن فكرة الدولة اليهودية بحد ذاتها ـ كما يقول ـ هي فكرة تعود إلى زمان آخر، ومكان آخر.
والذين قطعوا مسافة بعيدة في نقد السلوك التاريخي للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، لم يروا في المنعطف الذي تعيشه إسرائيل منذ نحو عقدين من الزمن، سوى علامة الانهيار الأخير للفكرة الصهيونية الأولى، إذ من المستحيل لدولة إسرائيل أن تكون دولة يهودية، وأن تبقى دولة ديمقراطية. وعلى ما يتصور هؤلاء فإن إسرائيل إذا واصلت سيطرتها على الأراضي الفلسطينية، فستجد نفسها أمام واحد من ثلاثة خيارات:
الأول؛ تفكيك المستوطنات اليهودية في الأراضي الفلسطينية والعودة إلى حدود 1967، حيث يشكل اليهود الغالبية. وبهذه الطريقة تستطيع أن تكون دولة يهودية وديمقراطية، مع أقلية عربية يشكلون مواطنين من الدرجة الثانية.
الثاني؛ الاستمرار في احتلال يهودا والسامرة (الضفة الغربية)، حيث من المنتظر خلال ثمانية أعوام ،مع الزيادة السكانية الطبيعية للفلسطينيين، ألا يصبح بإمكان إسرائيل أن تكون دولة يهودية ولا ديمقراطية.
الثالث؛ الاستمرار في السيطرة على الأراضي المحتلة، ولكن مع التخلص من الغالبية السكانية العربية، سواء بالطرد،أو عبر حرمانهم من الأرض ومن مقومات العيش، بحيث يغدو لا مفر لهم من مغادرة أرضهم. وبهذه الطريقة يمكن أن تصبح إسرائيل يهودية وديمقراطية، ولكنها ستكون أول دولة ديمقراطية حديثة تتبنى مشروع التطهير القومي، مما سيجعلها دولة مارقة، ومنبوذة دولياً.
لم يصدق كثيرون من الإسرائيليين أن حل الدولتين قادر على الحياة، فوجدوا أن الخيار الوحيد سيكون أحد أمرين: إما إسرائيل الكبرى المطهَّرة عرقياً والموحدة، أو الدولة الثنائية القومية لليهود وللعرب.
وأيّا» يكن الأمر.. لم تعد المشكلة الإسرائيلية منحصرة في السؤال عما إذا كانت الدولة التي قامت في منتصف القرن العشرين المنصرم، قادرة على الاستجابة إلى المكمن اللاهوتي في النفس اليهودية حول أرض الميعاد. تلك مشكلة أفلحت طلائع الايديولوجية الصهيونية الأولى في إنجازها مع الاستيلاء على أرض فلسطين عام1948 ، سوى أنّ المشكلة إيّاها تعود اليوم لتعصف بما تبقى من أحلام الجيل الأول وأفكاره.
رئيس مركز دلتا للأبحاث المعمّقة ـ بيروت