معروف أن إقامة وطن قومي لليهود بدأ باقتراح قلب إفريقيا كوطن ملائم، وبالذات في أوغندا قرب منابع نهر النيل العظيم. ولعظم نهر النيل اعتُبرت مصر، على عظمتها وحضاراتها وأهلها، هديةً متواضعة تجثم له عند مصبه على شاطئ البحر المتوسط. اليوم يكتمل الوعد الغربي لليهود بتكوين وطن قومي، أو على الأقل فرع له، قريب من قلب إفريقيا. يحدث ذلك ليس بعيداً عن أوغندا في منطقة ما بات يُعرف بجنوبي السودان، كأمر واقع. هنالك «دويلة» تُقتطع من أرض السودان الأصل، لكن بحجم يساوي مساحة بريطانيا أو فرنسا.

الهدف بات واضحاً بل ساطعاً سطوع شمس يونيو حزيران، ويوليو تموز، على ربوع كل من مصر والسودان وشمال أفريقيا، والعالم العربي عموماً. يتلخص ذلك الهدف بالضرب المباشر للمصالح الحيوية لأكثر من مئة مليون عربي يقطنون بجوار النيل، وعلى مسافة بضع عشرات الكيلومترات على الأكثر من جانبيه. ثمة هنالك أكثر من ‬200 مليون عربياً تتأثر مصالحهم الحيوية الأساس جراء «احتلال» منابع النيل من قبل دولة معادية للعرب، هي إسرائيل، وأخرى جديدة «تبشّر وتنذر» بالولاء لها.

إذن فاحتلال منابع النيل، أو أعالي مجرى النهر على الأقل، يضع جسماً بشرياً يقارب ال‬400 مليون نسمةً تحت رحمة إسرائيل «شبه الكبرى»، وأعوانها وأنصارها والمخدوعين بها. فيما مضى وحتى الآن يُنظر لنهر النيل كبحر متحرك هادر من المياه العذبة الصالحة للاستعمالات الزراعية والصناعية، والمنزلية مع بعض التغييرات الطفيفة. مياه بحر النيل التي تكفي لري أراضي قارة بأكملها تصبح الآن مهددة منذ مغادرتها آخر نقطة حدودية شمالية لدولة «نيو-سودان»، وحتى مصب النهر على شاطئ البحر المتوسط. هذه مهددة بعملية التقنين الصارم وحتى بالنضوب بسبب المشاريع المائية المستقبلية؛ هذا إلى جانب خطر التلويث الصناعي بسبب إمكانية امتداد الأيادي الخبيثة الشريرة إليه.

لم تُتخذ الإجراءات الكافية ولو بالحد الأدنى لوقف هذا الخطر الساحق الماحق. يركن العرب إلى صداقات وهمية مع القوى الغربية للتوسط في استجداء رحمة «إسرائيل شبه الكبرى» وعملائها الآن؛ الأخيرون باتوا يتهافتون على إرضائها من هنا وهناك. طاقات أكثر من ‬100 مليون تضيع هباء منثوراً، تقف عاجزةً لا تستطيع التحرك للدفاع عن مصالحها الجد حيوية.

على الجماهير العربية في وادي النيل، والأخرى المجاورة والبعيدة عنها، أن تنهض من سباتها. ذلك لأنه يتم العصف بها عن طريق العبث بمقدراتها الحيوية المائية؛ الآن في النيل ومن قبل في أنهار الأردن والفرات ودجلة. لم تزل هنالك فرصة كبيرة ومتسع من الوقت لكبح جماح الهجمة الشرسة على المقدّرات المائية للتجمعات العربية. جل المياه العربية باتت قاب قوسين أو أدنى من السيطرة شبه المطلقة من قبل كيان، إسرائيل، لا يتعدى وزنه الديمغرافي حياً بشرياً واحداً في إحدى العواصم العربية المكتظة بالسكان.

منذ البداية والمؤامرة على اقتطاع جنوب السودان تسير على قدم وساق. الاتفاقيات المعقودة بين الجنوبيين والمركز، برعاية دولية منحازة!، كانت دائماً تسير بمضمونها وفحواها في ذلك الاتجاه الانفصالي. الإعلان عن أن أكثر من ‬99٪ من الجنوبيين يميلون نحو الاستقلال والانفصال هو تتويج لجهد تآمري بدأ منذ عشرات السنين. ثمة هو استخفاف بشكل جماعي حاشد بكيانات الجماهير العربية وضحك على لحى وذقون من يظنون أنهم واعون بما يجري. بقي العرب نائمين أو مشلولين أو حتى في عداد الأموات حين كان يأتي ذكر جنوب السودان.

الدرس المستفاد هو أن جنوب السودان ما كان ينأى بنفسه اتجاه إسرائيل لو كان هنالك جسم كامل متكامل قوي متماسك يقف في وجه التآمر. العالم العربي بأكمله سوف يقف ليس فقط دقائق، بل ساعات وأيام

وسنين، حداداً على فقدان جزء «عزيز مهم حساس وحيوي» من روافد كينونته، في الحاضر والمستقبل القريب والاستراتيجي البعيد.

 

جامعة الإمارات