الانفجار الذي وقع منذ أيام في مطار دومديدفا في موسكو أحدث حالة من الرعب والصدمة والذهول، حيث يأتي بعد فترة من الهدوء الأمني دامت ما يقرب من عام بعد حادث الانفجار الانتحاري في مترو موسكو في مارس الماضي، وفي أول تلميحات للإعلام من مصادر غير رسمية قيل أن الفاعل «الانتحاري « يحمل ملامح عربية، وعلى الفور تناقلت وسائل الإعلام الروسية التي يسيطر عليها مجموعات معادية للعرب في روسيا هذه التلميحات لينشروها في كل مكان، ولكن في اليوم التالي تأكد من مصادر رسمية أن الانتحاري ذو ملامح قوقازية، وأمكن التعرف على هويته، ولكن بقى السؤال الذي أثاره الكثيرون في روسيا «لماذا التسرع بطرح الشبهات حول العرب في هذا الحادث؟»، علما بأن هذا الأمر لم يحدث من قبل في أي أحداث إرهابية في روسيا، لم نسمع اسم العرب بالتحديد، وإن كنا نسمع عن إسلاميين متطرفين، لكن ليسوا من العرب، ربما يكون الهدف من العملية بالفعل تشويه سمعة المسلمين والعرب في روسيا، وربما أيضا أن يكون هناك من فكر في استغلال الحدث بسرعة لتشويه سمعة العرب فأطلق شائعة الملامح العربية للانتحاري، أيا كان الأمر فإنه بالقطع هناك في روسيا من هم غير راضين عن تقارب روسيا مع العرب والمسلمين بشكل عام، ويحاولون توجيه النظام الروسي للتعامل مع خصوم العرب، وبالتحديد إسرائيل، خاصة مع وضوح ميول النظام الحاكم في روسيا للتعاون مع العرب وتردده في التعامل مع إسرائيل، وهذا ما أكدته زيارة الرئيس ميدفيديف للأردن والسلطة الفلسطينية الأسبوع الماضي، والتي كان مقررا أن تبدأ بزيارة لإسرائيل، لكن بسبب إضراب الدبلوماسيين الإسرائيليين ألغيت الزيارة لإسرائيل نظرا لعدم وجود جهات ترتب لها بسبب الإضراب في الخارجية، وكان اللوبي الموالي لإسرائيل في روسيا يتوقع أو «يتمنى» أن يلغي الرئيس ميدفيديف رحلته كلها للشرق الأوسط أو يؤجلها لوقت آخر بعد أن تهدأ الأوضاع في الخارجية الإسرائيلية، لكن ميدفيديف صمم على الرحلة بدون إسرائيل إلى الأردن وأراضي السلطة الفلسطينية، وغير معروف ما إذا كان سيزور إسرائيل فيما بعد أم لا، وصرح ميدفيديف أثناء الزيارة بتصريحات مؤيدة لدولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، مما اعتبره الإسرائيليون واللوبي الموالي لها في روسيا صفعة روسية قوية.

شائعة الملامح العربية للانتحاري في تفجير مطار موسكو أعطت مؤشر واضح على وجود لوبي كبير معادي للعرب في الإعلام الروسي، وهذا اللوبي أمامه بلا شك مساحة كبيرة من الحرية والسهولة في العمل في ظل غياب لوبي أو قوى مضادة له، سواء من العرب أو من المؤيدين في روسيا للعرب وقضاياهم.

لقد تأكد أن تفجير المطار وراءه جماعات من شمال القوقاز، وهذه الجماعات تتلقى أموالا من جهات أجنبية في الولايات المتحدة وبريطانيا لتقوم بهذه الأعمال، وقد وقع خلاف كبير بين قادة هذه الجماعات في شهر أكتوبر الماضي بسبب نزاعهم على أموال أرسلها رجل الأعمال اليهودي الأميركي جورج سورس لهم واختلفوا في تقسيمها، كما تعطي بريطانيا حق اللجوء السياسي لقادة هذه الجماعات الشيشانية والداغستانية الهاربين من القضاء الروسي، والهدف من وراء هذه الأعمال هو عرقلة مسيرة التطور والتنمية التي انطلقت في روسيا منذ عشرة أعوام، وإشعال الفتن الطائفية والعرقية داخل روسيا، وأيضا إعاقة تطوير العلاقات بين روسيا والعرب والمسلمين بشكل عام. ومن المتوقع أن تتوالى هذه الأحداث المأساوية داخل روسيا في الفترة القادمة، خاصة على أبواب انتخابات الرئاسة في عام ‬2012 والتي من المتوقع أن تعيد رجل روسيا القوي فلاديمير بوتين للرئاسة، وهو الأمر الذي تخشاه الجماعات الإرهابية المتطرفة في روسيا ويخشاه أيضا من يقف وراءهم ويمولهم في الغرب.

ومن المتوقع أيضا أن يتكرر ذكر العرب والمسلمين مع أي حادث إرهابي قادم في روسيا، خاصة وأن اللوبي المناهض للمسلمين والعرب نشيط ومنتشر في أكبر وسائل الإعلام الروسية، بل إن بعضهم موجود في أجهزة الحكم في الكريملين والحكومة، والمطمئن في الأمر بعض الشيء أن الشعب الروسي لا يخلط بين الإرهاب والإسلام، وينظر للإرهابيين من شمال القوقاز على أنهم مجرمون خارجون عن القانون ومأجورون لجهات أجنبية معادية في الأصل للإسلام، وموقف الكنيسة الروسية الداعم دائما للإسلام والمسلمين يساعد على زيادة هذا الوعي، خاصة وأن المسلمين يشكلون ما يقرب من ‬20٪ من الشعب الروسي، ويعيشون في مودة وسلام مع المسيحيين الروس منذ القرن التاسع الميلادي حتى الآن، والثقافة الإسلامية موجودة بشكل جيد وراسخ في الثقافة الروسية من خلال عظماء الأدب الروسي مثل تولستوى وبوشكين وليرمانتوف وجوجول وغيرهم، ولهذا لا تؤثر هذه الأحداث الإرهابية المتطرفة على أوضاع المسلمين في روسيا، ولا يتسع المجال هنا لذكر الامتيازات العديدة التي حصل عليها المسلمون في عهد الرئيسين بوتين وميدفيديف، حتى أن اليهود وأعضاء الطوائف الدينية الأخرى اتهموا الرئيس ميدفيديف بالتحيز للمسلمين بعد زيارته العام ‬2009 للمسجد الكبير في موسكو، وطلبوا منه زيارة معابدهم،ووعد ولم يفعل.

الحقيقة أنه لا يوجد أي عداء أو كراهية لروسيا من المسلمين الروس، ولكن الكراهية والعداء من أعداء روسيا من الخارج الذين يستخدمون بعض العناصر المتطرفة والمرتزقة المحسوبة على المسلمين ويغرقونهم بالأموال بهدف إثارة القلاقل والاضطرابات وزعزعة الأمن والاستقرار داخل روسيا، وأيضا لزرع الكراهية في نفوس الشعب الروسي تجاه الإسلام والمسلمين.

 

خبيرة الإعلام السياسي الروسية