ثار في فرنسا خلال الأيام الأخيرة، جدل كبير حول تصريحات السيدة ميشيل آليو ماري، وزيرة الخارجية، الخاصّة بالعنف الذي واجهت فيه الشرطة التونسية المظاهرات ضد نظام الرئيس السابق ابن علي.
في الواقع، كانت وزيرة الخارجية قد صرّحت بتاريخ 11 يناير الماضي، أمام الجمعية الوطنية الفرنسية ــ البرلمان ــ بما مفاده: «... نقترح أن تساهم خبرة قواتنا الأمنية في تسوية أوضاع أمنية من هذا النوع». لقد اقترحت، إذن، بوضوح تقديم الإمكانيات الأمنية الفرنسية لحكومة ابن علي، لقمع الحركة الشعبية التي أرغمته على الرحيل يوم 14 يناير الماضي.
إن قيام وزيرة خارجية الجمهورية الفرنسية بمثل هذا الصريح، أمر شديد الخطورة من عدّة وجوه. إنه يعبّر أوّلا عن عدم فهم مجرى الأحداث التي عرفتها تونس؛ ويعني ثانيا مساندة نظام استبدادي كان يحتضر؛ ويشكّل ثالثاً احتقاراً للتونسيين والتونسيات الذين دفعوا حياتهم للقيام بواجبهم كمواطنين. وهذه أمور خطيرة تصدر من بلاد، هي التي حررت ميثاق حقوق الإنسان والمواطنين.
وفي ما هو أبعد من موقف وزيرة الخارجية، ينبغي التساؤل عن أسباب قصور النظر والخطأ السياسي للحكومة الفرنسية. من المهم التذكير بأن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ومن سبقهما في هذين المنصبين، كانوا قد أظهروا دعمهم الحازم لنظام ابن علي. وكان الرئيس نيكولا ساركوزي قد صرّح في عام 2007، عند زيارته الرئاسية الأولى لتونس، بأن هذه البلاد هي «في طريق الديمقراطية»؛ ثمّ أكّد في زيارة ثانية عام 2008 أن «مجال الحريّات يتسع».
ومن الواضح أن أحد الأسس السياسية للدعم الفرنسي ــ ودعم الحكومات الأوروبية الأخرى ــ يقوم على خلفية مكافحة ابن علي للإرهاب «عدو الديمقراطية الحقيقي»، كما صرّح الرئيس ساركوزي أثناء تلك الزيارة، مشيراً إلى الخطر الذي يمثله ظهور «نظام من نمط طالبان في شمال إفريقيا».
باختصار، كان يتم النظر إلى ابن علي، على أنه الحاجز الأكثر فاعلية ضد القوى المتطرّفة. كانت تلك هي المعادلة السائدة في باريس.
بالإضافة إلى ما تحتوي عليه هذه التصريحات من جهل بالواقع، والتصريح بإمكانية قيام نوع من نظام طالبان في تونس، فإنها أيضا تبيّن انزلاقا خطيرا للسياسة الفرنسية، نحو الأطروحات التي قالت بها واشنطن في ظل رئاسة بوش.
هذه الرؤية تطرح إشكالية، ولا تندرج بصورة إيجابية في مجال العلاقات الدولية، إذ لا يمكن للنضال ضد ما يسمّى بالحركات المتطرّفة، أن يكون العصب الأساسي للسياسة الخارجية لفرنسا. والكل يعرف أنه وراء مقولة النضال ضد التطرّف، تكمن خطورة الغوص في أطروحة صدام الحضارات الشهيرة.. والأمثلة على ذلك كثيرة.
إن فرنسا ودبلوماسيتها، لا يمكنهما أخذ مكانتهما على المسرح الدولي، إلاّ ببقائهما وفيّتين لمبادئ النضال من أجل العدالة ومن أجل تطبيق القانون الدولي. ونسمع أحيانا من يقول إن فرنسا لم تعد قادرة على أن تُسمع صوتها، بسبب أنها لم تعد سوى قوّة ثانوية.
هذه أطروحة لا يمكن القبول بها. فالجمهورية الفرنسية تستطيع دائما أن تُظهر تفرّدها، إذا استمرّت في الدفاع عن مبادئها التأسيسية في كل الأمكنة والمحافل. ولنتذكّر مثلا، المعركة السياسية والدبلوماسية التي خاضتها فرنسا عام 2003، لمعارضة سياسة جورج والكر بوش ضد العراق.
لقد حظيت فرنسا يومها بالاحترام، كون أنها لم تنحن ضد التصرّف الفردي الأحادي للولايات المتحدة الأميركية.
لقد كانت فرنسا آنذاك أداة من أجل محاولة فرض ضرورة احترام القانون الدولي، لكن للأسف لم يعد الأمر اليوم كما كان في الماضي القريب. لقد فقدنا مثل ذلك الامتياز، بسبب أشكال القصور الذي تعاني منه السياسة الفرنسية الراهنة.
إن الوقت قد حان للتحرّك، وينبغي على فرنسا أن تحلل تطوّر الأوضاع السياسية، بعيدا عن التحديدات الأيديولوجية، وتعتمد في المقابل على حقائق الواقع. وهكذا يمكنها أن تستعيد مكانها ومكانتها في جوقة الأمم، وتساهم في بناء عالم متعدد الأقطاب والرؤى.
رئيس تحرير المجلة الدولية والاستراتيجية
مركز العلاقات الدولية والاستراتيجية ــ باريس