نعتذر إليكم أيها الشباب، فقد أخطأنا الطرق إلى معرفتكم، ما قدرناكم حق قدركم، وبينما تدثرنا نحن بالجهل، أزحتم أنتم رداءه عنكم، فكنتم أكثر ذكاءً منا، وقلبتم الطاولة على كل الرؤوس، وسط ذهول الجميع، بمن فيهم أولئك الذين قلبتم الطاولة على رؤوسهم.
نعتذر إليكم، فقد حسبناكم تضيعون أوقات فراغكم في غرف الدردشة وأنتم تنقلون أصابعكم بين أزرار حواسيبكم، مبحرين في ذلك الفضاء الرحب، بينما كانت رؤوسنا نحن هي التي تعاني الفراغ، بعد أن أجهدتها نكساتنا وخيباتنا، وحفرت في نفوسنا أخاديد، وقعنا نحن في هاويتها، واستطعتم أنتم القفز فوقها بمهارة، لم تتعلموها منا بالتأكيد لأننا نفتقدها.
نعتذر إليكم، فقد غرقنا نحن في الوحل، بينما استطعتم أنتم أن تحافظوا على براءتكم، فنأيتم بها عن الفساد الذي طغى على مناحي حياتنا، وحولها إلى مستنقعات آسنة لا تصلح للعيش فيها.
نعتذر إليكم، فقد ركنّا نحن إلى الجبن، بينما تسلحتم أنتم بالشجاعة، ورفعتم صوتكم عالياً، في الوقت الذي اكتفينا نحن فيه بالصمت، ولم نجرؤ حتى على مجرد الهمس.
نعتذر إليكم، فقد امتلأنا نحن باليأس، بينما امتلأت نفوسكم أنتم بالأمل، ورفعتم الراية التي سقطت من أيدينا منذ زمن طويل، ولم تعد أكثر من قطعة قماش لا قيمة لها في نظرنا الذي ضعف حدّ العمى.
نعتذر إليكم، فقد طُوِيت ألسنتنا نحن على الباطل، بينما نطقت ألسنتكم أنتم بالحق الذي طال انتظارنا له دهراً لم نعد نعرف عدد سنينه.
نعتذر إليكم، فقد اعتادت أعيننا نحن الظلام، بينما أبت أعينكم أنتم أن ترى غير النور، وأن تعيش إلا تحت ضوء الشمس التي طال احتجابها عنا حتى كدنا نيأس من رؤيتها.
نعتذر إليكم، لأننا لم نحسن الاستماع إليكم، فأردتم أن تسمعوا كل العالم صرختكم، وكنا نحن آخر من استفاق على صوتكم.
نعتذر إليكم، فقد استهوانا النوم، ولم نعد نعرف اليقظة إلا قليلاً، بينما ظلت أعينكم أنتم مفتوحة لا تعرف للنوم مذاقاً.
نعتذر إليكم، لأننا لم نستطع التغلب على عجزنا، وكنا ركناً واهياً لا ينقذ غريقاً، فاخترتم أنتم أن تبحثوا لأنفسكم عن ركن قوي تؤوون إليه، وكانت إرادتكم هي الركن الذي لا يعرف العجز أو يتسلل إليه الوهن من أي جانب.
نعتذر إليكم، لأننا لم نستطع أن نصنع لكم مستقبلا أفضل، فاخترتم أنتم أن تصنعوا لأنفسكم المستقبل الذي تريدون بأيديكم، وأن ترسموا لأنفسكم الطريق الذي تسلكون بمعرفتكم.
نعتذر إليكم، لأننا لم نستطع أن نصوغ لكم حلماً بحجم طموحاتكم، فاخترتم أنتم أن تصوغوا هذا الحلم وتحولوه إلى واقع.
ترى، هل هو زمن التحولات الذي انتظرناه طويلاً، قد جاءنا على غير موعد، ففاجأنا بعد أن فقدنا حاسة الاندهاش، لكثرة ما تعرضنا له من مآسٍ وأحداث شابت لها النفوس قبل الرؤوس؟
ربما كان هذا جزءًا من الصورة التي لا ندري إن كنا نعيش داخل إطارها أم خارجه، بعد أن أفقدتنا وتيرة الأحداث القدرة على الإدراك والتحليل وربط ما اتصل بما انقطع.
هذا زمن نطوي فيه تاريخاً، ونفتح فيه تاريخاً، صفحاته ليست ككل الصفحات التي عرفناها على مدى سنوات عمرنا، التي عشناها بين نهوض الآمال ونكوصها. من يصنع هذا الزمن ويعيد كتابة التاريخ فيه جيل أرهقته جهالاتنا وأتعبه ضلالنا، فقرر أن يغير المسار بعد أن أصبح له الخيار.
ثمة فجر جديد ينسج خيوطه في هذه اللحظة، العقل فيه هو سيد الموقف، والوعي فيه هو العلامة الفارقة بين الانجراف إلى الهاوية والمحافظة على المنجز. فجر قمة الوعي المطلوب فيه، هي تفويت الفرصة على أولئك الذين يحاولون انتهاز اللحظة لتحقيق مكاسب أو تسجيل مواقف.
فجر نقول فيه لصوت الشباب المتطلع لنهضة بلده وأمته؛ ألف نعم، ونقول فيه ألف لا، لكل أولئك الذين يحاولون أن يفرضوا وصايتهم من الداخل والخارج، ففي مثل هذه اللحظات الفاصلة في تاريخ الأمم والشعوب، مطلوب أن يكون صوت الوعي هو الأعلى، كي لا تعلو أصوات الانتهازيين والدخلاء، فينفرط العقد ويتبخر الحلم ويضيع المنجز.
ثمة زمن ملتبس اللون بين مراحل السقوط والنهضة في حياة الشعوب. ذاك هو الزمن الأشد خطورة الذي علينا أن نتجاوزه، لأنه معرض للاستغلال وركوب الموجة للوصول إلى تحقيق الغايات، من قبل الأطراف ذات الأجندات الظاهرة والخفية، فهل أنتم قادرون على تفويت الفرصة على هؤلاء وأولئك كي تحافظوا على براءة منجزكم؟
في لحظة التحول هذه، يحاول الذين تعودوا فرض الهيمنة من الخارج أن يكون لهم صوت وقرار، كأنهم لا يعلمون أنه لم يعد لهم مكان ولا كلمة على من قرر أن يكون القرار لكلمته وحده، كي لا تختلط الأوراق في اللحظة الفارقة، حتى لو اختلطت الألوان في الزمن الملتبس.
نعتذر إليكم، إذا وقفنا على الخط الفاصل بين الفرح والخوف، لأننا نخشى أن يسرق أحد منا ومنكم الفرح، في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى اكتماله.
نعتذر إليكم، لأننا انتظرنا لحظة الوعي هذه طويلاً، ونخشى أن يمر وقت طويل قبل أن تأتي لحظة وعي أخرى، فيما لو ضاعت منا هذه اللحظة بفعل فاعل، فلا تسمحوا لأحد بأن يسرق الفرح منا ومنكم.
نعتذر إليكم اليوم أيها الشباب، لأنكم وحدكم من يستحق الاعتذار، في زمن أصبحنا نفتقد فيه ثقافة الاعتذار لدى أولئك الذين يجب أن يعتذروا، لكنهم يلوذون بالعناد، ويفقدون البوصلة عند مفترقات الطرق، فيضيع منهم المسار.
كاتب إماراتي