قبل أشهر قليلة من رحيل إدارة بوش الصغير الثانية، أطل ريتشارد هاس، المنظر الأميركي السياسي الشهير والرئيس السابق لمجلس العلاقات الخارجية الأميركية النافذ في نيويورك، على العالم عبر مجلة الفورين افيرز، منذرا ومحذرا من أن زمان الهيمنة الأميركية والقطبية المنفردة إلى زوال. وبذات الفعل يؤكد على أن الحضور الأميركي في الشرق الأوسط، والموروث عن الإمبراطوريتين الفرنسية والبريطانية، مجده إلى زوال، ربما لعقد أو عقدين أو أكثر، وأن قوى جديدة ستظهر في تغير جوهري للمشهد السياسي الشرق أوسطي.
ولعل التساؤل؛ هل ما يجري على الساحة العربية وفي عدة دول في الفترات الأخيرة من فورات وثورات، هو بداية تحقق نبوءة ريتشارد هاس؟
يثير هاس في ملامحه المتوقعة للمنطقة الشرق أوسطية في العقود القادمة، هواجس عديدة، لا تتعلق فقط بتقلص الوجود الأميركي، بل تمتد إلى ظهور قوى أخرى ربما تؤرخ لمرحلة جديدة في تاريخ وجغرافية المنطقة. ودون اختصار مخل، يمكننا أن نلخصها في عدة نقاط:
؟ ستظل الولايات المتحدة متمتعة بنفوذها في المنطقة أكثر من أي قوة أجنبية أخرى، ولكن نفوذها آيل إلى التقلص، ويعكس ذلك التأثير المتنامي لمجموعة من القوى الداخلية والخارجية، والحدود الطبيعية للقوة الأميركية ونتائج خيارات السياسة الأميركية.
؟ ستواجه الولايات المتحدة المزيد من المنافسة من قبل السياسات الخارجية، لمن يسميهم «دخلاء» آخرين. وفيما يقدم الاتحاد الأوروبي مساعدة بسيطة في العراق، يتوقع أن يبادر إلى طرح مقاربة مختلفة للقضية الفلسطينية، أما الصين فستقاوم فرض ضغوط على إيران، كما تسعى إلى ضمان إمكانية حصولها على إمدادات الطاقة.
؟ ستصبح إيران إحدى القوتين الأكثر تأثيرا في المنطقة، ومخطئ من يقول إن طهران كانت على شفير تحولات داخلية دراماتيكية، فإيران التي تتمتع بثروة عظيمة هي الدولة الخارجية الأكثر نفوذا في العراق، كما أن لها تأثيرا مهما على كل من «حماس» و«حزب الله».
؟ ستصبح إسرائيل الدولة الوحيدة في المنطقة التي تتمتع باقتصاد معتدل قادر على المنافسة دوليا، لكن سيبقى عليها أن تتحمل تكلفة احتلالها للضفة الغربية، وأن تتعامل مع مشكلة أمنها المهدد لتواجه تحديا أمنيا متعدد الأبعاد على أكثر من جبهة.
؟ لا يلوح في الأفق أي توجه نحو عملية سلام حيوية، سيما في أعقاب العملية الإسرائيلية المثيرة للجدل على لبنان.
؟ سيبقى العراق، وهو جوهر قوة العرب، في حالة من الفوضى في السنوات المقبلة، في ظل حكومة مركزية ضعيفة ومجتمع منقسم، وسط تنامي أعمال العنف الطائفية.
؟ سيبقى سعر النفط مرتفعا، نتيجة للطلب المتزايد من قبل الصين والهند، والنتائج المحددة للجهود التي قامت بها الولايات المتحدة للجم الاستهلاك وزيادة احتمالات حدوث نقص في التغذية النفطية.
؟ سيستمر التسلح بنمط متسارع، بحيث تصبح الجيوش الخاصة في العراق ولبنان والأراضي الفلسطينية أكثر قوة، وستنبثق الميلشيات كنتيجة لضعف الدول، خاصة تلك التي تواجه عجزا في بسط سيادتها وقدرتها على السيطرة.
؟ سيبقى الإرهاب، الذي هو بحسب تعريفه «الاستعمال المتعمد للقوة ضد المدنيين في مسعى لتحقيق مآرب سياسية»، ظاهرة أساسية في المنطقة، وسيظهر في المجتمعات المنقسمة، كما في العراق، وفي المجتمعات التي تسعى فيها الجماعات الراديكالية إلى إضعاف أو إسقاط شرعية الحكومة.
؟ سيسد الإسلام الفراغ السياسي الثقافي السائد في العالم العربي، على نحو مطّرد، وسيشكل مؤسسة لسياسات غالبية سكان المنطقة. فالقومية العربية والاشتراكية العربية، أصبحتا من الماضي، والديمقراطية تنتمي إلى المستقبل المنظور في أفضل الأحوال، حيث باتت الوحدة العربية شعارا وليست واقعا. كما أن نفوذ إيران والمجموعات المرتبطة بها، تمت تقويتها، والجهود المبذولة من أجل تحسين العلاقات بين الحكومات العربية من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، قد أصبحت معقدة.
هل من إمكانية ما لأن يكون هذا الغياب حقبة زمنية موجزة؟
يرى هاس أن صناع السياسة الأميركية عليهم تلافي خطأين:
الأول؛ هو الابتعاد عن فكرة الاعتماد المفرط على القوة العسكرية، فكما تعلمت الولايات المتحدة من الكلفة الباهظة لحربها في العراق، وإسرائيل في لبنان، فإن القوة العسكرية ليست هي العلاج، كما أنها ليست نافعة على الإطلاق في مواجهة الميلشيات المنظمة الطليقة، والإرهابيين المسلحين بشكل جيد، والذين يحظون بتأييد شعبي محلي والمهيئين للموت من أجل قضيتهم.
الثاني؛ يمكن في الاعتماد على انبثاق الديمقراطية لتهدئة المنطقة. صحيح أن الديمقراطيات الناضجة لا تميل إلى شن الحروب بعضها على بعض، لكن للأسف إيجاد هذا النوع من الديمقراطية الناضجة ليس مهمة سهلة، وحتى لو نجح الأمر في النهاية، فلن يتطلب أقل من عقود من الزمن. وفي هذه الأثناء يجب أن تواصل الولايات المتحدة عملها مع العديد من الحكومات اللاديمقراطية، فالديمقراطية ليست الجواب على الإرهاب كذلك.
ويميل هاس للأخذ بالرأي القائل إن الدمقرطة كثيرا، لا تنفع لدى التعامل مع الراديكاليين الذين لا تحمل برامجهم آمالا بتلقي دعم الأكثرية، وأن المبادرات الأكثر نفعا قد تكون خطوات مصممة لإصلاح الأنظمة التعليمية، مثل نشر الليبرالية الاقتصادية والأسواق المفتوحة، وتشجيع السلطات العربية والإسلامية على التحدث جهارا عن لا شرعية الإرهاب وإدانة داعميه، وتناول الشكاوى التي تدفع الشباب إلى اللحاق به.
وبحال من الأحوال، فإن كافة أوراق وطروحات هاس، تقودنا إلى تساؤل حقيق بالتوقف أمامه في الآونة الأخيرة: هل مضى زمن القطبية الأميركية المنفردة، وبات العالم في مواجهة فجر أقطاب متعددة جديدة قادمة؟
كاتب مصري