واحد من قرارات البيان الختامي التي انبثق عن قمة التعاون لدول الخليج العربية الأخيرة والتي انعقدت في أبوظبي في ديسمبر 2010، كان يدعو لحوار الحضارات كأحد أهم الحلول للتقريب بين وجهات النظر بين الشرق والغرب وتجسير الفجوة التي تعمقت بين الغرب والعالم الإسلامي في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001. ولاشك أن الحوار مع الآخر لا يعنى فقط الحوار مع الغرب ولكن مع الآخر المختلف عنا عقيدة ومذهبا وثقافة وحضارة، ولكن منذ أن بدأنا نستخدم مقولة «حوار الحضارات» عرفناه على أنه حوار بين الشرق والغرب وبالأخص بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي.
ولا شك أن العلاقة بين هذين الطرفين شهدت نوعا من المد والجزر طوال فترات التاريخ ولكن في القرن العشرين شهدت نوعا من الاستقرار النسبي كون دول المشرق عامة والدول الإسلامية خاصة أصبحت تنظر للغرب على أنه مصدرا للتفوق العلمي والصناعي والتكنولوجي الذي يحتاجه المشرق. فالشرقيون عموما والعرب بصورة خاصة يرون الغرب: الأوروبي والأميركي الملاذ الأكيد للخبرات ومصدرا ليس فقط للنهضة التقنية بل لكافة مجالات العلوم الحديثة. وعلى الرغم من أن هذا الاعتقاد له ما يبرره حيث يظل الغرب مصدرا مهما للعلوم والتقنيات الحديثة إلا أنه بالتأكيد لم يعد المصدر الوحيد. ففي الشرق ظهرت دول عديدة مثل اليابان وكوريا الجنوبية ومؤخرا الصين كدول مصدرة للخبرة التقنية وللصناعات ذات النوعية الجيدة وذات الأسعار التنافسية. بالإضافة إلى ذلك فإن هذه الدول تربطنا بها علاقات تمتد بجذورها إلى عمق التاريخ وتعبر حدود الجغرافيا. فهناك صلات وعلاقات تاريخية وثيقة بين عرب الخليج ودول المشرق. فتربطنا بهم، بالإضافة إلى الصلات التاريخية والحضارية، صلات تجارية موغلة في القدم. إما اليوم فقد تطورت العلاقات التجارية بين الطرفين وتحول المشرق إلى مستورد مهم لنفطنا. ولذا ففتح قنوات اتصال ثقافي وحضاري مع هذه الدول مفيد على عدة صعد وأهمها الصعيد الاستراتيجي والأمني. فالتحالف مع هذه الدول عسكريا وأمنيا قضية تصب لصالحنا. فلا يوجد لدى هذه الدول أجندة أو مشاريع سياسية أو استعمارية مبطنة كما لا يوجد لديها نية غير سوية تجاهنا. بالإضافة إلى ذلك فهناك قواسم مشتركة كثيرة بينها وبيننا تجعل منها حليفا استراتيجيا قويا. فليس لدى هذه الدول حين تتعامل معنا سياسيا عقدة «إسرائيل» كما لدى الغرب الأوروبي والأميركي مثلا، وإنما تضع مصالحها القومية أولا وتسمح لنا كذلك بوضع مصالحنا القومية على رأس أولوياتنا.
والاتجاه شرقا ليس بجديد على عرب الخليج. فهناك قول عن الرسول صلى الله عليه وسلم «اطلبوا العلم ولو في الصين» دليل على أن بعد المسافة ليست بعائق عن طلب العلم حتى ولو في أقصى بقاع الأرض. والعلم المقصود هنا ليس بعلم الفقه ولا بعلوم الشريعة كما يعتقد البعض لأن علوم الدين لا تتوافر في الصين وإنما العلم المقصود هنا هو العلوم الحياتية المختلفة. فهذه الدول تمتلك رصيدا حضاريا قويا أهلها لأن تصبح مٍصدرا مهما للمعرفة والعلوم الحياتية بينما تراجع دورنا كعرب إلى مستورد للكثير من العلوم والتقنيات وليس لدينا شيء نصدره باستثناء النفط والذي يعد اليوم محركا رئيسا ليس فقط للاقتصاد ولكن لسياسات العالم. لذا يأتي حوار الحضارات وفتح قنوات اتصال مع دول المشرق مفيدا لنا ولهم.
ولكن هناك نقطة مهمة يجب أن نلتفت لها بقوة وهي أن التعاون والحوار مع الآخر يجب أن يكون بصورة مدروسة ومتكافئة وغير ضبابية. فعلاقتنا حتى الآن مع الآخر لا ترقى إلى مستوى الحوار وإنما يمكن أن نسميها علاقة «تعاون اقتصادي واستراتيجي». فعلاقتنا مع الغرب،مثلا، علاقة احتياج عسكري واقتصادي وتقني. كما أن هناك حواجز نفسية كثيرة تفصلنا عن الغرب. فهناك مثلا إحساس من قبلنا بالدونية تجاه كل ما هو غربي. أما الشرق فقد عاملناه هو الآخر كطرف غريب، مصٍدر للسلع الرخيصة والتكنولوجيا الأرخص. ففتحنا أسواقنا للسلع الشرقية الرخيصة حتى أصبحنا سوقا رائجة لبضائعه.أما هو فأصبح ينظر لنا كمحطة يتزود منها بالبترول وسوقا يصرف فيها بضائعه. إما التعاون الثقافي والحضاري بين الطرفين فلم يرق إلى درجة الحوار أو مد جسور تفيدنا في مسألة الحوار الحضاري الذي نتمناه.
فكيف نرتقي بالعلاقة مع الشرق بالتحديد من مجرد شركاء اقتصاديين إلى مستوى الحوار الحضاري الذي نتمناه؟ وما هي الآليات المناسبة للارتقاء بذلك الحوار؟
لكي نرتقي إلى مستوى الحوار نحتاج إلى مؤسسات علمية تابعة للطرفين لكي ترتقي بالتعاون بينهما من مجرد التعاون الاقتصادي والتجاري إلى التعاون الثقافي. بالإضافة إلى ذلك نحتاج إلى تكثيف البعثات الدراسية إلى تلك البلدان التي أصبحت اليوم تتمتع برصيد قوى في مجال العلوم الطبيعية وفي مجال التكنولوجيا غير المكلفة. الاهتمام الإعلامي من قبل الطرفين في مجال أبراز ثقافة الآخر وحضارته سوف يلعب دورا مهما في إلقاء الضوء على ثقافة وحضارة الآخر لأن ذلك سوف يبرز القواسم المشتركة بين الطرفين ويبدل تلك الصورة المختلة عندهما . فمعرفتنا عن دول المشرق حتى الآن لا تخرج عن كونها دول مصدرة لكافة البضائع الاستهلاكية الرخيصة. إما معرفتهم هم عنا فلا تخرج عن كوننا بلدان صحراوية غنية بالبترول. وهذه الصورة النمطية المختلة من قبل الطرفين لا تكفي للبدء في فتح حوار حضاري وثقافي أو حتى لمعرفة الآخر معرفة جيدة.
أن فتح حوار ثقافي وحضاري مع الشرق هو استثمار سوف يدعمنا سياسيا لأنه خال من القيود السياسية، ويقوينا تجاريا لأن المشرق منطقة جغرافية ودميغرافية متنوعة، وينوع مصادرنا اقتصاديا وتقنيا لأن المشرق أصبح قوة تقنية وصناعية هائلة. لذا فإن الاتجاه شرقا في قضية الحوار الحضاري هي قضية مضمونة لو استغلت بصورة جيدة وسليمة.