أمام الأحداث الأخيرة التي حركت العالم العربي بعد سبات طويل، اكتشفت القوى العظمى فجأة بأن يديها شلتا.
نحن بالطبع يهمنا ما يحدث هنا وهناك على جغرافيتنا السياسية. ونحن قادرون على حل مشاكلنا فيما بيننا. هناك خلافات واختلافات ولا نعجز عن تسويتها دون صعوبة. فنحن نعيش في نهاية الأمر في بيت واحد ولا حل سوى أن نتصالح، الحاكم والمحكوم، الضعيف والقوي، الغني والفقير المنتصر والمهزوم. وأتمنى أن نخرج بهذه العبرة من العواصف والغيوم والزلازل التي نمر بها منذ أكثر من شهر تقريبا.
غير أن القضية الأكبر ليست هنا. القضية هي في الآخر. وهذا الآخر خرج لنا بصورة مرفوضة ثقافيا وأخلاقيا. العرب والمسلمون قرؤوا تاريخهم منذ ما قبل الإسلام إلى التاريخ المعاصر وحفظوه عن ظهر قلب. ونجحوا في الاختبارات التحريرية في مادة التاريخ وهي المادة الأكثر إشكالية في علوم البشر ورسبوا في التطبيق. وعرفوا أنهم محاطون بمجموعة من الشعوب التي لم ترد بهم خيرا، منذ عهد الرومان والفرس والدولة البيزنطية والمغول وانتهى بهم المطاف بالاستعمار الأوروبي. ولا أحد يعرف كيف ضحك الاستعمار على ذقونهم عندما ادعى شفويا أنهم أصبحوا مستقلين بينما عمليا ظل مسيطرا على مقدراتهم وخيراتهم شر سيطرة. ولا أحد يعرف كيف صدق العرب والمسلمون تلك الخدعة وآمنوا بها؟
الحقيقة أن الشعوب في ذاتها لم تصدق أنها استقلت عن المستعمر الغربي، رغم الأهازيج التي تقام سنويا احتفالا بتاريخ الاستقلال المزعوم. غير أنها ـ كما تفعل النعامة أمام الخطر ـ أوهمت نفسها بأنها تحيا تحت شمس الحرية. بينما ظل المستعمر ينخر في بنيتهم الاقتصادية والثقافية والفكرية دون أن يشبع وأصبح يجزأ كعكته إلى قطع صغيرة جدا حتى يسهل ابتلاعها. وعندما شعر بأن مجموعة من تلك الشعوب بدأت تتحرك بدوافع ثقافية وعقائدية ضد وجوده استخدم عدة وسائل غير أخلاقية في خنقها والتخلص منها. فمرة اتهمها بالإرهاب ومرة بالتخلف ومرة بالتخريب، وعندما لم ينجح من خلال تلك الوسيلة، لجأ إلى وسائله الإعلامية الهابطة لتغذية العقول الشابة بكل ما يملك من أنواع الفساد والانحطاط الأخلاقي لكي يقود الخروف إلى منصة الذبح. ونجحت الخطة في التأثير على مجموعة منها غير أنها جاءت بردة فعل معاكسة تماما لدى الجانب الآخر. وإذا بالعالم العربي والإسلامي ينقسم على نفسه، فبينما نجد هناك نصفه يبحث عن ملذات الحياة والبعد عن القيم العربية والإسلامية والتغني ومن ثم التشبث بلغة المستعمر القديم وتبني أسوأ عاداته وأرخص فنونه وتقليد طريقة ملبسه ومأكله حتى نسي مشيته كما حدث للغراب تاركا وراءه إرثه العظيم، نجد النصف الآخر يكتشف الحقيقة المرة ويحاول إعادة الأمور إلى نصابها ولكن دون أن ينصت له أحد. ومنهم من لجأ إلى العنف وآخر إلى العنف المتطرف ليثبت وجوده وليقف ضد تيار المجموعة الأولى. ودفع الثمن غاليا للبقاء.
وإذا بالشعب العربي والإسلامي ليس بينه وسط بين الطرفين إلا ما ندر. فإما أنك تقلد الغرب في مشيته فأنت متحضر أو تتمسك بقيمك العريقة فأنت متخلف. وسوف يحاسب التاريخ دور الإعلام العربي شر محاسبة بعد أن تهدأ الأمور. فقد لعب دورا ملفتا في توجيه الشباب العربي والإسلامي إلى حتفه. وسوف نسأل غدا: من كان يمول تلك القنوات الفضائية والمجلات التي لا تحمل بين طياتها سوى السم تضعه في خبز الفقراء؟
وكان المستعمر الجديد يضحك بهستيرية أمام ما يحدث أمام ناظريه. فلم يكن يصدق أن يقدم الشعب العربي والإسلامي نفسه قربانا لطمعه بكل هذا الجنون.
وكما تدين تدان. وكما تضحك على الآخرين سيضحك عليك الآخرون. ونسي المستعمر الجديد أن تحت الرماد كانت تغفو ألسنة النار. وأن الشعب الذي تم تخديره لعقود طويلة سوف يهب دون سابق إنذار واقفا على قدميه ويجرف كل شيء أمامه حتى نفسه.
هناك من المثقفين من كان يدرك ما حدث وما سيحدث ويحذر منه، بينما البقية وهم الأكثرية كانت تسير مع تيار المصلحة الخاصة. وكان هناك من المثقفين من كان يحذر الغرب من مغبة ممارساته التي سوف تنقلب ضد مصالحه أينما وجدت، غير أنه كان معتدا بنفسه إلى درجة أنه أصبح كالطاووس نافشا ريشه الزاهية في وجه الأعاصير التي طالما حذرت منها الأرصاد السياسية والاجتماعية. وظن أنه وضع ملك الشطرنج الذي يحمي مصالحه في مكانه الصحيح. واهتم بحمايته قبل حماية مشاعر البيادق التي كانت تساق إلى الموت دون رحمة. وهنا كان خطأ الغرب في التعامل مع الآخر. وصب اهتمامه على مص دمه حتى آخر قطرة دون أن يعطيه فرصة لتنفس الهواء. وكان ذلك قمة التناقض الأخلاقي ممثلا في قمة الأنانية المادية. ففي الوقت الذي كان يمارس فيه كل أنواع الحرية والديمقراطية ودفع آلة التطور الصناعي في بلده لعيون شعبه، كان يحرم شعوب مستعمراته القديمة من الحصول على جزء يسير منها.
اليوم يدفع الغرب ثمن شر أعماله وسوء تخطيطه. فقد ورط أصحابه وتركهم يهيمون في العراء لا مأوى ولا ماء. وأصبح مغضوبا عليه من قبل الجموع الثائرة في شوارع انتفاضات الشعوب. ولم يعد يعرف ما يصنع. فقد انكشفت الأوراق، وسقطت ورقة التوت. وقضي الأمر....