الديمقراطية مهمشة في البلدان العربية، سواء في تقاليد المجتمع وسلوكه وعاداته ونمط حياته، أم من قبل أنظمة الحكم، وهذا التهميش قديم العهد وقد أدى إلى نتائج كارثية على الفرد والمجتمع وعلى النسيج الاجتماعي كله، وساهمت الأنظمة الاستبدادية العربية في حرمان الفرد من حقوقه الأساسية، حيث سُلب الفرد العربي حق المشاركة في شؤون مجتمعه ووطنه.
كما سلب حق المساهمة في اختيار شكل الحكم الذي يريده، واختيار الحاكم، ومراقبة الحكومة وإدارة الدولة، وتولي تقرير مصيره ومصير مجتمعه وبلده، وجرى تكبيله بقيود القهر والخوف والحاجة. ولم يعد المواطن العربي في المحصلة قادراً على إبداء رأيه في أي شيء، فهو دائماً منفعل غير فاعل، ينتظر الحل من مبادرة الغير على النطاق الشخصي، ومن مبادرة الحكومة على النطاق العام.
ومحروم من حق الوصول للمعلومات التي تتعلق بشؤون بلده وأمته وحياته ومشاكله، ولا يستطيع أن يطلع على المعلومات التي تخص بلده أو يسمع بها أو يتحدث عنها أو يحاور فيها إلا إذا سمح له النظام السياسي، وتمنع الأنظمة السياسية إعطاء المعلومات عن مؤسسات الدولة ونشاطاتها، وإن سمحت بنشر بعضها تكون غالباً بعيدة عن الصحة، وينبغي أن تمر المعلومات والآراء والمواقف وحتى الأخبار التي تنشر في وسائل الإعلام والاتصال المقروءة والمسموعة والمرئية.
من تحت يدي الرقابة، ولا تتجاوزها إلى المجتمع إلا إذا سمحت بها. وبالتالي فالرقيب العربي، مهما كانت ثقافته وآراؤه قادر على حجب أي معلومة عن شعبه، وتزيد الخطورة مع غياب معايير الرقابة في البلدان العربية وشروطها وهي غير مكتوبة وبالتالي فهي متروكة لتقدير الرقيب واجتهاده وآرائه.
خضع الفرد العربي خلال مئات السنين في المجتمعات العربية، ومازال يخضع الآن في معظمها، للعسف والقمع وإهدار كرامته من قبل الحاكم، والتنكيل به مادياً ومعنوياً، بما في ذلك التصفية الجسدية. وقد غالت أجهزة الأمن العربية، تحت مبرر حماية أمن الدولة والحفاظ عليه، في ممارسة العنف والتعذيب حتى أنها خرجت في حالات عديدة.
وبلدان عديدة، عن التقاليد الإسلامية والعربية (والإنسانية) التي تحترم الطفل والمرأة والمسن. ولم تعد هذه الأجهزة تأخذ التقاليد بعين الاعتبار، ولا تخضع في معظم الحالات إلى قوانين تحدد صلاحياتها أو تمنعها من ممارسة العنف والتعذيب. ويترك الأمر لرجل الأمن واستنسابه.
سيطرت ـ بنتيجة هذا الواقع ـ السلبية الشديدة على (الجماهير الشعبية) أي على أفراد المجتمع، وانصرف الأفراد عن القضايا العامة، وتحولوا إلى ممارسة التقاليد الاستهلاكية ونمط الحياة الاستهلاكية، أو إلى الاهتمام الكلي بمشاكل الحياة اليومية والعمل لتأمين لقمة العيش، وأدى هذا جميعه إلى تفكك النسيج الاجتماعي، وانتشار الأنانية، وانصراف الفرد لتأمين رغباته الذاتية ومصالحه الشخصية، وعدم الاهتمام بالهم العام أو بالعمل للصالح العام.
وقد تفشت نتيجة هذه الأساليب والممارسات اللا ديمقراطية كالتعصب والإرهاب، ورفض الرأي الآخر وعدم تحمله أو قبوله، والاستعلاء، والفساد، كما تغيرت القيم العليا، فلم يعد الكسب المشروع هو القيمة العليا بل الكسب من الصفقات أو بأية وسيلة مشروعة أو غير مشروعة،.
كما لم يعد الإنفاق يرتبط بالحاجة وإنما بالتقاليد الاستهلاكية، وتخلخلت علاقات أفراد الأسرة بعضهم بالبعض الآخر، وأفراد المجتمع بعضهم بالبعض الآخر أيضاً، فضلاً عن بروز حالة انفصام بين الناس وحكامهم، فالسلطة لا تقيم وزناً للشعب، والشعب متشكك بالسلطة وسلبي تجاهها. والدولة الاستبدادية تخلق بيئة مواتية لإنعاش العصبيات العرقية والقبلية والطائفية والمذهبية. وقد أباحت الأحكام العرفية وقوانين الطوارئ للحكام ممارسة ما يريدون دون الالتزام بدستور أو بقانون أو بعرف، وكان ذلك بالطبع من نتائج تنحية الديمقراطية، عن المجتمعات العربية وتهميشها، ورفض الحكام قبولها أو ممارستها.
يفرض سؤال نفسه، لماذا غابت الديمقراطية عن معظم مجتمعاتنا العربية، ومازالت هاربة منها وبعيدة عنها؟.
لا شك أن الأسباب عديدة ومعقدة، ومنها الشروط الموضوعية المتعلقة بالتأثيرات السلبية للتاريخ الطويل من الاستبداد، حتى أصبح في ثقافة الناس وكأنه هو الأصل بعد ممارسات طاولت مئات السنين، وقد استمرت هذه الشروط في التاريخ الحديث والمعاصر، فلم تنجح حركة النهضة العربية في تأدية مهامها ووظائفها وغاياتها، ولم تكتمل حركة التنوير العربي، ولم تنتصر الحداثة وما تحمل معها من معايير العقلانية والفردية والحرية والديمقراطية والمساواة وغيرها، وبعد نشوء بطيء للطبقات الوسطى ما لبثت أن طالها التدمير.
ولم تستطع البورجوازية العربية إنجاح حركة النهضة والحداثة، والنهوض بها وتحقيق انتصارها كما هو المفروض، إضافة إلى عدم التكافؤ والعدل بين الأفراد والطبقات في المجتمعات العربية التي تسود معظم هذه المجتمعات، وقد تحولت بعض الممارسات (الديمقراطية) على ضآلتها لخدمة الطبقات المسيطرة.
وعجز المجتمع عن استكمال نضوج الديمقراطية وشموليتها وكمالها. وأدت تجزئة البلدان العربية إلى مزيد من الضعف والتناقض والصراعات والتخلف الاجتماعي والاقتصادي والثقافي وإلى الضعف السياسي كما أدى الوجود الصهيوني وقيام دولة إسرائيل والحروب معها والمطامع الاستعمارية الغربية إلى تغيير الأولويات.
وأخيراً أصيبت القوى السياسية العربية بالازدواجية والتناقض مع شعاراتها فهي تطرح قضية الديمقراطية وهي خارج الحكم، وتنفرد بالسلطة عندما تتولاها وتحارب القوى الأخرى. وهكذا بقيت الديمقراطية العربية في أزمة، بل بقيت مطرودة من المجتمعات العربية دون أن تجد نصيراً.