يقال ان جسد الإنسان يتجدد كل أحد عشر شهرا، وأنه يتغير ليصبح إنسانا آخر كل عدد من السنين تختلف من شخص لآخر، وأن معظم الناس يمرون بدورة السبعة أعوام، أي يتغيرون كلية من الداخل والخارج كل سبعة أعوام.
لا شك أن معرفة ذلك أمر مهم سواء في علاقاتنا الأسرية أو في عالم السياسة والاجتماع، فالمرحلة أو العمر الذي يمر به الإنسان يؤثر بشكل كبير في قراراته، ودائما عندما أتذكر ذلك يحضر السلطان محمد الفاتح في مخيلتي، فمن المعلوم أنه بدأ معركة فتح القسطنطينية وهو في الثانية والعشرين من عمره، في فورة الشباب بل في أول اندفاعته، ولا شك أن لذلك أثرا في ذلك البأس العجيب الذي امتلكه وكسر به شوكة أعدائه أيما كسر!
الإنسان يتغير إذن وما أحبه اليوم قد يكرهه غداً، وما يمتلك قوة فعله اليوم قد لا يستطيعه غداً، وما هو مهم الآن قد يزاح ليحل شيء آخر مكانه بعد حين، فكيف يبني الإنسان حياته وعلاقاته والحال هكذا؟
لا شك أن الدين والضوابط الاجتماعية تحضر في مقدمة إجابتنا، ولنتذكر فترة من العمر كنا نضيق فيها بالعبادات والواجبات الدينية أيما ضيق، وربما دعانا الشيطان إلى التساؤل: لم كل هذا العذاب؟ فإذا بنا في فترة لاحقة نكتشف بأن العذاب الحقيقي هو في خواء القلوب من الإيمان وعطل الأبدان عن العبادة، لقد تغيرنا! وربما هو مثال عادي ولكن المآسي تحدث عندما يولى البعض قيادة الناس أو توجيه عقولهم ومحاورة قلوبهم، فيوردوهم المهالك لأنهم يأتمون بالمتحول في شخوصهم وليس بالثابت دينا وعرفا. ويحب الإنسان الثبات حبه للتغيير، ومن هنا نفهم تعلق أمة كاليابان بنظام الإمبراطورية المستمرة منذ أكثر من ألفين عام، الإمبراطور بالنسبة للياباني بمثابة السقف الذي لا يحتمل زواله، ومثل ذلك الإمبراطورية البريطانية، التي يضرب المثل في ثباتها وغيرهما من الممالك الراسخة منذ قرون، إنهم أمم لا تنقصهم القدرة على التغيير ذلك ولكنهم لا يريدونه، ويريدون دوام الثوابت في حياتهم وإن دفعوا من جيوبهم مقابل ذلك، الدول التي لا ملكة على رأسها ولا إمبراطور لديها أحزابها الصامدة منذ أجيال، فضلا عن برلماناتها العتيدة، بنفس مبانيها وطقوسها وكراسيها، وفي ذلك يجدون ثوابتهم السياسية، والعرب ليسوا بدعا من الناس، إنهم يحبون وجود الثوابت في حياتهم السياسية كما في حياتهم الاجتماعية ولكن الثابت الوحيد الذي أمامهم هو الحاكم، فلا أحزاب صامدة عاملة، ولا برلمانات معتبرة، فيتعلق الشعب بالحاكم، ويكون مستعدا للتعامل معه بالطاعة والحب من دون إكراه، وليت الحاكم يعي معنى ذلك! ليته يحترم العقد الغير مكتوب بينه وبين الشعب، ويحترم الخيط الرفيع بين ما يخوله دوره ومكانه من حقوق وامتيازات وبين ما يعتبره الشعب نهبا من قوته، ليته يقيم اتصالا بينه وبين الشعب بأي طريقة كانت وان كانت قديمة، بعض الدول يكفيها مجلس الحاكم المفتوح وأخرى يلزمها مجلس للشورى وثالثة لا بد لها من برلمان، إنها أمور يعرفها الحاكم والمحكوم في كل بلد، فكلاهما لم ينبت من الأرض كالفطر بلا جذور وإنما جاء من تاريخ وبيئة ومجتمع ذو دين وأعراف، يتسلل نوع العلاقة إليهما من خلال ذلك، ويصبح لدى كليهما ترمومتر حساس، يشير إلى اختلال الأمور في اللحظة التي يحدث فيها ذلك، لا ينتظر الشعب تقارير ويكيليكس أو غيرها ليعرف بأن الحاكم يعمل لشعبه أم لنفسه، لا ينتظر صاعقة من السماء أو طوفانا يعم الأرض ليدرك فيما لو أن الحاكم يضع الله بين عينيه أو يضع آلهة من البشر! هناك إشارات أبسط بكثير، ولكنها مثل نقطة البدء في كل شيء، من الوضوح بحيث تصل إلى القلب والعين كاملة دون نقصان.
الشعوب العربية تحب حكامها بالفطرة وتحترمها دينا، وتبجلها عرفا وتريدها علامة استقرار وثبات، وعليه فالكرة دائما في ملعب الحاكم الذي عليه الاختيار بين عز الدنيا والآخرة، أو بين خسارته في النهاية لكل شيء هنا وهناك.
وفي تاريخ الأمم والشعوب من سار على هدى وأسس ثابتة، سلم ونعم بالاستقرار ولو بعد حين، أما من تخبط في دروب السياسة دون هدى فقد ضاع وأضاع، وها نحن نرى أيدولوجيات القرن الماضي التي راح بسببها الآلاف وربما الملايين، تغيب وراء شمس الحقيقة ولا يبقى منها إلا أوراق بالية وكتب مهجورة، لم يحترموا ثوابت أممهم، فضاعوا وأضاعوا، الثابت ولو كان مثل ثبات التمسك بالإمبراطورية في اليابان لأنها سليلة الشمس بزعمهم، ولا التغير نحو الشمال ونحو اليمين كلما لاح ضوء خادع أو برق عليل مزيف.
تحتاج أعتى الحكومات القائمة على أساس حكم الفرد أو الحزب الواحد إلى تغيير وتحديث وإلا فإن سنن الحياة القاضية بنهايتها لن تستثنيها، ولا أجد مثالاً إيجابياً أدل على ذلك من التجربة الصينية التي لم يكن أكثر المتفائلين يتوقع قيامها بالتجديد داخل حزب شيوعي عتيد أفرغه الواقع والتاريخ من كل معنى أو أمل، لقد قاموا بتغيير هائل وهم يقفون على أرض ثابتة من دون أن يعلقوا في فراغ سلطة أو يتعثروا بفوضى ثورة شعبية أو يصبحوا عبيدا للآخرين. الثبات غاية، والتغيير وسيلة تحقيقه وإرساء أركانه، وبطريقة أو أخرى لا بد أن يحدث، وإن كان الثمن باهظا، عندما تغير الطيور ريشها والأفاعي جلودها والأشجار أوراقها تصبح أكثر حساسية وضعفاً وعرضةً للأمراض، ولكنها تعود ثانيةً وقد تجددت وزادت قوة وصلابة.
كاتبة إماراتية