بصورة متلاحقة ودراماتيكية، تسارعت الأحداث في لبنان فسقطت حكومة سعد الحريري، وتحولت الأكثرية البرلمانية إلى أقلية برلمانية جديدة، وتم تكليف نجيب ميقاتي، ابن مدينة طرابلس والثري الكبير «الوسطي» سياسيا، بل مؤسس تيار «الوسطية» منذ خمس سنوات، بتشكيل الحكومة الثالثة في عهد الرئيس العماد ميشال سليمان. حدث ذلك بعد اتفاق كتلة ‬8 آذار جميعها («حزب الله» و«حركة أمل»، تيار المردة بقيادة النائب سليمان فرنجية، والحزب السوري القومي الاجتماعي، والحزب التقدمي الاشتراكي) على تسمية ميقاتي رئيساً مكلفاً تشكيل الحكومة، وبعد انضمام النائب وليد جنبلاط وكتلته النيابية إلى تيار ‬8 آذار. فكيف حدث هذا الانقلاب السياسي الكبير؟ لماذا توافقت ‬8 آذار على اختيار ميقاتي؟ ما هي السيناريوهات المتوقعة للمرحلة المقبلة؟ كيف سيتم تشكيل الحكومة ووفق أية معايير وأحجام؟ تقول الموالاة السابقة إن الانقلاب حدث بفعل قرار سوري بالضغط المتمادي على حكومة الحريري، الذي تمثل باستقالة ثلث أعضائها مما حتم سقوط الحكومة دستورياً. تلا ذلك انفتاح الباب أمام استشارات نيابية ملزمة لتسمية من يكلف تشكيل الحكومة، وتقول المعارضة الجديدة إن دمشق مارست ضغوطا سياسية (والبعض يقول أمنية) على النواب، من أجل ضمان انفكاكهم عن الأكثرية السابقة والانضمام إلى تيار ‬8 آذار في اختيار الرئيس ميقاتي، الذي فاز بأكثرية النواب الذين تمت استشارتهم (‬69) نائبا، مقابل (‬60) نائباً لمصلحة الرئيس الحريري فانتهى الأمر بتكليفه. لكن هذا الضغط السوري على جنبلاط، كما تقول المعارضة، ما كان لينجح لو لم تكن العلاقة السورية ـ السعودية قد دخلت مرحلة التوتر أو شبه القطيعة، بعد إعلان السعودية تخليها عن المسعى السوري ـ السعودي السابق، الأمر الذي جعل سوريا لاعبا مميزاً شبه وحيد على الساحة اللبنانية. بعض التحليلات السياسية والإعلامية يتحدث عن اتفاق فرنسي ـ قطري ـ سوري حول تغطية عملية إسقاط الحريري وافتتاح مرحلة سياسية جديدة بقيادة ميقاتي، وبعض الأوساط يتحدث عن أن الحريري فقد ثقة القوى النافذة في السعودية التي كانت تسجل مآخذ جمة على قيادته السياسية. ويبدو أن ما ساعد دمشق على تسديد ضربتها .

ويتساءل البعض: لماذا اختارت دمشق ميقاتي ليكون رجل المرحلة الجديدة؟

يبدو أن وراء اختيار ‬8 آذار (وخلفها سوريا) الرئيس ميقاتي عدة أسباب أبرزها:

؟ امتلاك ميقاتي شبكة علاقات دولية جيدة (أميركية وفرنسية خصوصا) تسمح باستقبال هذه الدول لاختياره استقبالا حسنا.

؟ يتمتع ميقاتي بشبكة داخلية متوازنة، تسمح له بأن يحظى بترحيب «حزب الله» وحلفائه ويسهم في شق صفوف ‬14 آذار، باعتبار أن ميقاتي ترشح إلى الانتخابات النيابية الأخيرة على لائحة سعد الحريري في طرابلس وبالتحالف معه.

؟ قدرة ميقاتي المالية وتوطد علاقاته مع الوسط الاقتصادي والمالي اللبناني والعربي، عنصران مهمان في عدم نفور الأوساط المالية من تعيينه أو اتجاهها إلى ممارسة ضغوط اقتصادية تهدد الليرة اللبنانية ومتانة الجهاز المصرفي.

؟ إلى كل ذلك يضاف أن ميقاتي صاحب شعبية أكيدة في الوسط السني الشمالي، وصاحب علاقة مميزه بالأوساط المسيحية.

ما هي السيناريوهات المقبلة للتشكيلة الحكومية؟

يرحج المقربون من ميقاتي أن يعمد بعد إعلان تيار ‬14 آذر مقاطعة الحكومة ورفض الاشتراك في عضويتها، إلى أحد خيارين.

إما تشكيل حكومة من التكنوقراطيين حتى لا يقع تحت هيمنة كاملة من ‬8 آذار لو شكل حكومة سياسية من لون ‬8 آذار فقط.

وإما تشكيل حكومة مختلطة من سياسيين محايدين أو غير حزبيين، تطعم بعدد من الخبراء ووجوه من المجتمع المدني. أيا يكن الاختيار فإن المرجح هو أن تأتي الحكومة غير فضفاضة (‬30 وزيراً)، بحيث يكون سقفها أقرب إلى ‬24 وزيراً، وأن يتمتع فيها الرئيسان ميشال سليمان ونجيب ميقاتي بوزن وزاري حقيقي. أما التحديات التي يتوقع أن تواجه أية حكومة جديدة، فأمور تبقى مرهونة بنوع الحكومة التي سيتم تشكيلها، وطبيعتها ومضمون بيانها الوزاري.

لكن الأكيد منذ الآن، أن صفحة سياسية جديدة قد فتحت في لبنان، بعد أن طويت الحقبة الحريرية برموزها وتياراتها وخطابها السياسي.