لا شك أن مصر دولة غير عادية، وما يجري فيها من أحداث لا بد وأن يلقى اهتماما غير عادي من غالبية دول العالم، وخاصة الكبيرة منها. فمصر كانت وما زالت ساحة سياسية تقاس عليها موازين القوى العالمية، ولا أحد ينكر أن مصر كانت بوابة الاتحاد السوفييتي والمد الاشتراكي في إفريقيا والشرق الأوسط، ثم تحولت بعد ذلك لتصبح مركز السياسة الأميركية في المنطقة، وكافة الصراعات في منطقة الشرق الأوسط تقاس بمدى فاعلية مصر أو عدم فاعليتها، والدليل على ذلك أن الصراع العربي/ الإسرائيلي تغيرت معالمه تماما بعد توقيع مصر لاتفاقية السلام مع إسرائيل عام ‬1979، ولم يشمل التغيير أطراف الصراع من إسرائيل والعرب فقط، بل امتد ليشمل العالم كله، وليس أدل على ذلك من أن أكثر من نصف دول العالم لم تكن له علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، وبعد اتفاق السلام مع مصر تأسست علاقات دبلوماسية بين إسرائيل وكافة هذه الدول، باستثناء بعض الدول العربية.

ولم يحدث أي تغيير في هذا الواقع على مدى ثلاثة عقود مضت، على الرغم من تغييرات كثيرة حدثت في العالم، وحتى انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي، لم يكن له تأثير مماثل في المنطقة.

الآن مع تصاعد الأحداث في مصر بشكل غير عادي، ومع احتمالات حدوث تغييرات جذرية هناك، تقبع الدوائر السياسية في معظم دول العالم، وخاصة الدول الكبرى، تتابع الأحداث عن كثب وباهتمام بالغ، لتقيس عليها توجهات سياساتها القادمة في منطقة الشرق الأوسط، التي كانت وما زالت أكبر ساحة للصراعات الدولية وبارومتر موازين القوى العالمية.

وفي موسكو يتابع القائمون على الحكم ما يحدث في مصر باهتمام بالغ، وربما يراود الكريملين حلم العودة الروسية لمصر، بعد غياب أربعة عقود مضت منذ أن قرر الرئيس الراحل أنور السادات طرد الخبراء السوفييت، بينما على الجانب الآخر تنتاب البيت الأبيض حالة من الهلع والقلق الواضح، جراء ما يحدث وما يمكن أن يترتب عليه في الغد القريب. ولا يخفى على أحد مدى قوة العلاقات الأميركية المصرية على مدى العقود الثلاثة الماضية، هذه العلاقات التي ساعدت واشنطن كثيرا على تثبيت أقدامها وفرض نفوذها وهيمنتها في هذه المنطقة المهمة للغاية من العالم، هذا النفوذ الذي لم يكن لها في عهد الرئيس الراحل عبدالناصر في الستينات من القرن الماضي. ولولا العلاقات القوية هذه خلال العقود الثلاثة الماضية، كما يرى الكثير من المحللين، ربما لم تكن لتقع حروب الخليج الثلاث، التي استنزفت الكثير من قوة العرب وثبتت الهيمنة الأميركية في المنطقة.

أما إسرائيل فهي الآن بالقطع في حال لا تحسد عليه بالمرة، فأي تغيير في مصر لا شك سيكون له بالغ التأثير على إسرائيل، التي لا تعير أي اهتمام أو اعتبار لأي جهة في المنطقة، سوى لمصر التي تعتبرها القوة الحقيقية القادرة على تغيير الموازين في هذه المنطقة، وربما تخشى تل أبيب من أي تغيير في مصر يؤدي إلى تغيير في توجهات السياسة الخارجية المصرية من الغرب إلى الشرق. وإذا كانت إيران تتحدى الغرب وهي معتمدة على حلفائها الشرقيين في الصين وروسيا، فإن مصر أيضا تستطيع، في رأي تل أبيب، أن تغير توجهاتها نحو موسكو، وستجد ترحيبا كبيرا من روسيا التي تعرف جيدا قيمة مصر ومكانتها.

هلع وخوف إسرائيل انعكس بوضوح في البرقيات التي بعثت بها تل أبيب إلى واشنطن والدول الأوروبية، عقب اندلاع الأحداث في مصر، تطلب منهم العمل بجدية للحفاظ على استقرار النظام الحالي، وتهيب تل أبيب بواشنطن أن تولي أقصى درجة من الاهتمام لما يحدث في مصر. وقد كتبت صحيفة هآرتس الإسرائيلية أن برقيات تل أبيب للدول الأوروبية وواشنطن، كانت تطلب من الجميع طلبا محددا، وهو عدم توجيه انتقادات علنية لنظام الحكم في ظل الظروف الحالية.

أما واشنطن التي اعتادت دائما على سياسة التخلي عن حلفائها وأصدقائها، فقد انتهجت سياسة المزايدة على النظام، ولم تصرح بتأييدها له، بل على العكس طالبته بالاستجابة لمطالب الشعب بإجراء الإصلاحات السياسية المطلوبة، وواشنطن تعلم جيدا أن أكبر المتضررين من هذه الإصلاحات لو تمت، ستكون هي وإسرائيل، وربما الغرب كله.

لقد بلور الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز موقف واشنطن جيدا، حين قال «إن الولايات المتحدة تلعب دورا مشينا في الأزمة المصرية، فهي تتملق الزعامات القوية في العالم بدعمهم والضغط عليهم لتنفيذ طلباتها، ثم تتخلى عنهم في وقت الشدة وتذهب لتدعم خصومهم القادمين للحكم بعدهم».

ما تفعله واشنطن أمر طبيعي ومعروف عن السياسة الأميركية منذ عقود طويلة مضت، والمشكلة ليست في من تحالف معها ثم تخلت عنه، بل المشكلة في من يأتي بعده ويظل مصمما على التحالف مع واشنطن، رغم أنه يعلم أن لا أمان لها، وقد حدث هذا في دول عديدة؛ مثل جورجيا وأوكرانيا وقرغيزيا وأوزبكستان، وليس مثال صدام حسين في العراق ولا الشاه في إيران ولا نورييغا في بنما، ولا غيرهم من الأمثلة الكثيرة، ببعيدة ولا خافية عن أحد.

الآن مصر في مفترق طرق مهم للغاية، لمصر وللعرب، وأيضا للقوى الكبرى وللعديد من دول العالم، ونأمل أن تأتي الرياح بما فيه مصلحة الشعوب دون غيرهم.