معظم المقاربات الفلسطينية والعــــربية، الخــــــاصة باستطلاع آفاق المباراة السكانية بين الفلسطــــــينيين واليهود في فلسطـــــــين التـاريخية، تبشرنا بالتفوق العددي للجانب الفلسطـــــيني قريباً.

التقدير السائد في هذا الشأن، أنه إذا ما بقيت المعدلات الحالية للنمو الســـــــــكاني، فسوف تتساوى أعداد الكتلتين في العام ‬2015 عند مجموع ‬6,2 ملايين نسمة لكل منهما. وإذا مــــــــددنا خطـــــــوط هذا التوقع على استقامتها، تحت شروط الزيادة القائمة راهناً، فإن كفة الكــــــــتلة الفلسطينية سترجح في العام ‬2020 بنحو ‬300 ألف نفس، إذ سيصبح الفلسطينيون ‬7,1 ملايين مقابل ‬6,8 مــــلايين يهودي.

بناءً على هذا الرصد الكمي الجاف، يقيم المتشوفون الفلسطينيون والعرب بنياناً شامخاً من التوقعات المستقبلية، الفارقة إيجابياً بالنسبة لهم في مجرى الصراع على أرض فلسطين. لكن قلة قليلة، ومنهم كاتب هذه السطور، يتحفظون على مثل هذا التعاطي البارد مع القضية، وكأنها مجرد حقائق رقمية بحتة. ويستند هذا التحفظ إلى حزمة من المعطيات السكانية وغير السكانية الرديفة، التي لا يمكن تجاهلها في هذا السياق.

منها، دون حصر، أن فكرة الفوز على إسرائيل عبر تصغير حجم يهودها بسيف الأرحام الفلسطينية السخية، تكِلُ الصراع على أرض فلسطين وجوارها إلى الجانب الفلسطيني وحده. وأنه سبق لإسرائيل أن ألحقت هزائم بالعرب، وهم أكثر منها عدداً وربما عتاداً أيضاً. وفي غير الحالة الفلسطينية، عرفنا دولاً محدودة القوام السكاني، وقد استعمرت شعوباً غفيرة السكان في مشارق الأرض ومغاربها. كما أن التفوق العددي المنتظر للفلسطينيين، لن يشكل مفاجأة لإسرائيل وحلفائها، ولا بد أن ثمة تدابير واستعدادات لديهم يحتاطون بها لهذا التحول الوشيك.

كنا ندفع بهذه الرؤية المعاكسة للاتجاه الشائع، قبل أن تستفزنا طروحات تضيف جديد إلى ما نذهب إليه، وتدعونا والمهتمين إلى تأملات مضافة في المشهد السكاني موضع التناظر. فبعض الدراسات السكانية الطازجة، يشير إلى ضعف نسبي ملحوظ في الإنجاب الفلسطيني، قياساً بالولادات الكثيرة ومتوسطها المرتفع في السابق. والأهم أن هذا التراجع الفلسطيني، يتزامن ويتوازى مع ظاهرة تعاظم الإنجاب عند المستوطنين اليهود في الضفة الفلسطينية المحتلة.

تقول الإحصاءات المقارنة إن معدل تزايد سكان المستوطنات، قد ارتفع من ‬4,5٪ سنوياً عام ‬2007، إلى ‬5٪ عام ‬2010، وهو ما يفوق بكثير منسوب الزيادة السكانية الطبيعية العامة في إسرائيل، المتوقف طويلاً عند ‬1,5٪. هذا في الوقت الذي انخفضت فيه الزيادة الطبيعية في الضفة وغزة، من ‬3٪ عام ‬2007 إلى ‬2,9٪ عام ‬2009. وفي حين وصل معدل خصوبة المرأة اليهودية في الأوساط الدينية، ولا سيما في المستوطنات، إلى ‬8 أفراد، نجد أن خصوبة المرأة الفلسطينية قد انخفضت من ‬6 مواليد عام ‬1997 إلى ‬5,4 مولود في ‬2010.

ومما يقال في تعليل هذه الظواهر، هو ميل المستوطنين المتدينين (الحريديم) إلى التكاثر المفتوح بلا كوابح، خلافاً لقناعات العلمانيين، وحصول الأسر الولودة على حوافز اقتصادية واجتماعية وتعليمية، بحسبها جبهة متقدمة وحائط صد في وجه هجوم الأرحام الفلسطينية. ويتوازى ذلك مع استشعار الأسر الفلسطينية للضغوط الاجتماعية والاقتصادية الناجمة عن كثرة العيال، وتأخر سن الزواج لدى قطاع الشباب الفلسطيني.. وهي مؤثرات تفاقمها عن قصد سياسات الاحتلال الإسرائيلي، الرامية إلى وقف نمو الفلسطينيين سكانياً.

داخل هذا التصور المثير للجدل، تحظى القدس بوضع استثنائي.. فمستوطنو زهرة المدائن وجوارها اللوجستي، يشكلون أكثر من نصف مستوطني الضفة برمتها (‬52٪ من ‬500 ألف)! والهدف المضمر والمعلن لهذا التكثيف المقصود، هو منافسة الوجود السكاني الفلسطيني، الذي يبلغ في شرقي المدينة نحو ‬225 ألفاً.

مؤدى ذلك أن التحليلات الكلاسيكية لعموم المشهد السكاني في فلسطين بين النهر والبحر، ربما لا تكون كافية لتبصر المستقبل القريب، على النحو الذي يطمئن الجانب الفلسطيني العربي.

وهناك تفصيلات مهمة عميقة المغزى ينبغي الانتباه لها، منها حالة التراجع في الزيادة الطبيعية الفلسطينية العامة، مقابل انتعاش معدلات المواليد والخصوبة لدى المستوطنين. والتوجه إلى إغراق نقاط الصراع والتدافع الحساسة (القدس مثلاً)، بالمستوطنات والمستوطنين ذوي الاتجاهات المتطرفة دينياً. والسياسات التي يجهر بها مسؤولون إسرائيليون كبار، والرامية للتخلص من «العبء السكاني» لفلسطينيي ‬1948، وإلقائه على كاهل الدولة الفلسطينية المزمعة.