مع الاحتفال مؤخراً بذكرى مارتن لوثر كينغ، يبدو أن هو الوقت المثالي للتفكير في أهمية وجود أول رئيس أسود لأميركا، والمسافة التي قطعناها منذ اغتياله في عام 1968.
لا تزال التحديات الحقيقية قائمة، ولكن حقيقة أن أميركا يمكنها أن تجمّل صورتها من خلال وجود رئيس أميركي من أصل إفريقي، على أعلى مستوى، يعتبر تغييراً جديراً بالثناء المستمر. وأعتقد أيضا أنه كان هناك تباين كبير في الأدوار، بين «كينغ» والرئيس الأميركي باراك أوباما. فقد كان «كينغ» على مدار جزء كبير من حياته، منشقاً. وكان أوباما ناشطا في الماضي، لكنه أصبح الآن أكثر الساسة البارزين في العالم.
وبشكل ديمقراطي، يتم ارتقاء المسؤولين السياسيين إلى السلطة، وبالتالي يضطرون إلى تخفيف معتقداتهم نظرا لقيامهم بمهمة تمثيل شريحة شعبية واسعة، وينجم عن الفشل في القيام بذلك فقدان للسلطة. ويوجه إصبع الاتهام إلى الناشطين، أثناء اهتمامهم بالحفاظ على الإجماع الشعبي، بأنهم في نهاية المطاف يتبعون توجههم الأخلاقي الخاص بهم.
برز «كينغ» كثيراً في عام 1968، عندما تمزق تحالفه المثمر مع الرئيس الأميركي الأسبق «ليندون جونسون». وكانت تربطهما علاقة عمل متينة، في إطار الجهود الرامية إلى إقامة تشريع للحقوق المدنية. لكن «كينغ» وجد نفسه، على نحو متزايد، فزعاً من حرب فيتنام. وفي منتصف وأواخر عقد الستينات من القرن الماضي، وجد داعية الحقوق المدنية نفسه في مواجهة مع صغار الناشطين، الذين لم يستطيعوا فهم طريقته في الحث على اللاعنف، في حين أنه لم يعلق بأي شيء على العنف الذي ترعاه فيتنام. وكانت تلك المواجهات هي التي دفعته للتحدث علناً ضد الحرب. كان كينغ يقول: «بينما كنت أسير بين الشباب اليائس والرافض والغضبان، قلت لهم إن قنابل المولوتوف والبنادق لن تحل مشاكلهم». وتابع بالقول: «لقد حاولت أن أبدي لهم أعمق مشاعر التعاطف، مع الإصرار على اقتناعي بأن التغيير الاجتماعي يأتي معظمه مجدياً من خلال اللاعنف. ولكنهم سألوني، وهم محقون في ذلك، وماذا عن فيتنام؟».
ظل الإيمان شبه الكامل بسياسة اللاعنف، التي كان يعتنقها «كينغ»، مشكلة بالنسبة للرؤساء الأميركيين. وفي كل عام منذ وفاته، تزداد مكانته في أميركا. فهو، على نحو فعال، الأب المؤسس لأميركا الحديثة، وأعظم رمز لمبدأ اللاعنف في العالم. فكيف يمكن للرئيس المكلف، كونه القائد العام للقوات المسلحة، أن يواصل موالاته لرؤية «كينغ»؟
لقد واجه أوباما هذا التحدي عندما حصل على جائزة نوبل للسلام، مشيداً بـ «كينغ» باعتباره بطلاً، ولكن مؤكداً على أن مهمته، كرئيس للدولة، كانت مختلفة. وقال: «إننا يجب أن نبدأ من خلال الاعتراف بالحقيقة المرة، وهي أننا لا يمكننا القضاء على الصراعات العنيفة في حياتنا». أضاف: «سوف يستغرق الأمر وقتاً حتى تكتشف الدول، سواء منفردة أو مجتمعة، أن استخدام القوة ليس ضروريا فحسب، بل إن له ما يبرره أخلاقيا».
لم يتوقع أي شخص عاقل أن أوباما، بمجرد أن يصبح رئيسا للولايات المتحدة، سوف يقوم من جانب واحد بتجريد الجيش من السلاح. وعلاوة على ذلك، فإن أمانة أوباما في مواجهة عملية اللاعنف، تدلّ على النضج الفكري في كثير من الأحيان، وهذا ما نفتقده في خطاباته الوطنية الآن.
ويعتبر حلم «كينغ» في اللاعنف التحدي الذي يواجه جميع رؤساء أميركا، الذي يسعون جاهدين لتحقيقه، ولكن الصراع من أجل هذا الحلم لا يعني التنازل، ولا يعني بالتأكيد الهروب من الواقع.
ولهذا السبب، فقد فوجئت عندما سمعت «جيه جونسون»، المستشار العام في وزارة الدفاع، عشية الاحتفال بذكرى ميلاد «كينغ»، يدعي ضمناً أن «كينغ» كان يؤيد الحرب في أفغانستان. وقال: «أعتقد أنه لو كان الدكتور كينغ على قيد الحياة اليوم، فسوف يعترف بأننا نعيش في عالم معقّد، وأن الجيش الأميركي لا ينبغي، ولا يمكن أن يتخلى عن سلاحه، ويترك الشعب الأميركي معرضا لهجوم إرهابي».
إن ما جعل بيان أوباما في أوسلو استفزازياً ومثيراً للاهتمام، هو أنه تمالك الشجاعة ليختلف ضمناً مع «كينغ»، بدلا من التظاهر بأنه يتفق مع آرائه. أما جونسون، من ناحية أخرى، فقد كان يبدي خضوعاً كاملاً لمبدأ «كينغ» بوصفه مقدساً، ويحاول جعل عمله بما يتفق معه. ولكن ربما تكون رؤية «كينغ» للعالم في نهاية المطاف خاطئة، فمن يدري؟
كاتب ومحرر أقدم في مجلة «أتلانتك» الأميركية وموقعها الإلكتروني