يستكثر بعض الكتّاب في صحفنا العربية والمحلية الالتفاف النفسي الذي بدأ باجتياح قلوب الشعوب تجاه الأحداث التي يشهدها العالم العربي، والذي أجبرهم على التعاطي بايجابية مع الوقائع اليومية في بعض الدول والتي بدأت تشتد وتتصاعد فيها المطالبات والاحتجاجات، ولا أجد وصفا لهؤلاء الكتّاب الذين ينظرون بأحادية مفرطة تجاه نشرات الأخبار التي بدأت تنقل الوجع العربي من كل حدب وصوب، وكأن من المفترض أن نكون في عالم آخر لا يسمع ولا يرى.
ومن المفارقة أن نطالب بالارتقاء بوعينا السياسي والثقافي وبانفتاحنا على الآخر، في الوقت الذي نعيب فيه على البعض انفتاحهم على الأبعاد الحقيقية للمنظومة السياسية العربية وما يحدث لها، والتي من حيث الواقع الفعلي لا نزال نرتبط بها دولا وشعوبا. فالمطالبة بوضع هذه المشاعر على جنب والشروع في بناء كيان ذاتي منعزل، له من المزايا ما للدول المتقدمة من نهضة تنموية وتكنولوجية تستلزم توفير مناخ هذه التجارب وخصوصيتها، فمن الناحية الفعلية هي تجارب منعزلة في نسيجها الاجتماعي ولغتها وحضارتها وأنظمتها السياسية، ولا تشبه بأي حال من الأحوال خصوصية الوطن العربي، رغم التشرذم وهشاشة بناه السياسية.
ولعل هذه الدعوة إلى الانطلاق في البناء والاستثمار وتوظيف الطاقات وتحرير العقول، لن ينفي تواصل هذا البلد أو هذا الشخص بحبله السري الذي يغذيه ويتفاعل معه ويرتقي بمستقبله، لذا من الصعب تقبل هذه الأصوات النشاز التي تلف وتدور حول نفسها، وتولد كل يوم بوجه جديد وبملامح هجينة، وكأن الانسلاخ عن الأصول والمبادئ هو الذي سيوصلنا إلى القمر، أو الذي سيدفع أبناءنا إلى صناعة القنبلة النووية، ورغم ذلك لا يمنع أن نكون مبدعين ونهضويين ومتحضرين، وفي الوقت نفسه متمسكين بوشائجنا وبقدسية قضايانا المصيرية، والتي يثبت التاريخ الماضي والمعاصر كم هي متداخلة ومؤثرة لدرجة ملموسة وموجعة.
لقد عانت أجيال في هذا الوطن الكبير ولا تزال تعاني من الانسحاب النفسي تجاه القضايا العربية، وأصبح الشاب العربي لا يدرك خطورة وضعه وما هو مستقبله، وماذا يريد اليوم، وغدا كيف سيبدو، والسبب في ذلك تلك السياسات المحبطة التي أفقدته أية رغبة في معرفة ما يحدث في هذا الوطن. ولعل ما يفعله البعض من المنظّرين يغذي هذه النزعة، فتجده يحصر الشاب في بوتقة عمله وحياته المسيّرة، بل بعضهم يتفاخر بمدى قربه من النموذج الغربي في التفكير والاستلهام، وهو الذي يعيش في واقع لا يعترف بمبادئ التفكير المستقل واحترام الاختلاف ومبدأ تداول السلطة وإرساء قواعد العدالة الاجتماعية.
فقمة التناقض أن نتحرر من قيودنا في التفكير، بينما نحن نرزح تحت قيود أعمق وأكثر إذلالا، ولعل هذا سبب مفصلي للانكسار العربي والإسلامي، لأن تضييع الهوية والانتماء ساهم ولا يزال في التفريط في هذه الكيانات التي يبدو أن بعضها قد باع وتسلم الثمن مقدما، وكلما مرت سنة تكشفت الحقائق عن أولئك الذين رحل بعضهم والبعض توارى، ولا تزال روائح فسادهم تزكم الأنوف، فالسكوت عن أمثال هؤلاء عمّق التراجع في طموحات هذه الشعوب، التي ارتبطت شكليا بتجربة وحدوية كجامعة الدول العربية، احتضنت الكثير من الأهداف السياسية والاقتصادية، وكنتيجة لتغييب الشعوب عن المحاسبة والمراجعة، لا نزال بعد خمس وستين سنة نراوح مكاننا، وكان من المضحك المبكي أن نتقبل تلك الخطب الرنانة ونصدق التوصيات الختامية التي تعيد نفسها بصورة مملة، دون أن نرفع أصواتنا بوقف هذه المهازل التي جرّت على الأمة خيبات عريضة ستدفع ثمنها أجيال وأجيال.
لذا، لا مانع أن نرفع أصواتنا مع أصوات الغلابة في هذا الوطن، وليس عيبا أن نتوازى مع الخذلان العربي في الملفات الفلسطينية الساخنة، ورغم ذلك لن نكون ملكيين أكثر من الملك، لكن هذا التعاطي مع المستجدات يحقق مناخا صحيا مطلوبا للفهم ولتنشيط الوعي، وكأنه إعادة «فلتره» لتلك المشاعر التي كادت أن تموت مع كم الخذلان والإحباط الذي غلّف الحياة العامة العربية وكرّس لتخلفها. ومن المؤسف أن السياسة لا تعترف إلا بالمصالح، فالمشاعر ليس لها مكان، والعاطفة التي تغالب البعض في اندفاعه نحو تأييد الشعوب هنا أو هناك، قد يفسرها البعض بأنها حالة نفسية لا بد من التعامل معها بحذر، لكن من سيقود هذه الشعوب المغلوبة على أمرها لو كان سلاح العاطفة معطلا؟ فالنظرة إلى القضايا الحقيقية من فساد واستهتار بمستقبل الوطن، بحاجة إلى تعاطف حقيقي قد يستهجنه البعض الذي اعتاد على التفخيم والتطبيل وتلميع الساسة، والمضي قدما في مشروعه الذاتي للتملق والوصولية، وما أصعب مواقفهم حين تساقطوا أمس في تونس، قبلها أو بعدها..
إن ما تحققه الشعوب اليوم لهو تحوّل في المشهد الخامل في هذا الجزء من العالم، ينعكس اليوم على فرحة شبه معلنة طال انتظارها، فلماذا هذه الأبواق التي تقزّم من قامات الشعوب، وتضحك من الزهو بأولئك الشباب الذين كسروا القاعدة وخرجوا عن النص!
كاتبة إماراتية