أول ما كشفت عنه الثورة التي أطاحت بحكم زين العابدين بن علي في تونس والانتفاضة التي تشهدها مصر، هو أن جيلا جديدا من السكان يقود الاحتجاجات متجاوزا المعارضة التقليدية في هذه الدول. تلك النخب الحاكمة والأحزاب المنتمية لجيل أقدم بقي على المسرح لفترة تتراوح ما بين 3 إلى 5 عقود.
ففي تونس، كان الشباب هم طليعة المحتجين الذين نزلوا إلى الشوارع وواصلوا احتجاجاتهم التي دفعت بأعداد متزايدة من المحتجين إلى الشارع يوما بعد آخر. لقد تجاوز ذلك الجيل الجديد الأحزاب التونسية كلها، بما فيها مركز الحراك الاجتماعي والسياسي التاريخي المتمثل في الحركة النقابية التونسية، المتمرسة في الاحتجاج منذ النضال ضد الاحتلال الفرنسي. لقد أنهكت تلك الحركة بالطبع منذ أيام بورقيبة (ثورة الخبز 1978)، وأكمل بن علي مهمة الإنهاك والقمع إلى أن أضعفها وشل فعاليتها. تكرر الأمر في مصر أيضا، فحركة 6 إبريل التي دعت إلى احتجاجات يوم 25 يناير، هي حركة جيل مصري جديد تجاوز الأحزاب القائمة في مصر، حتى تلك التي توصفت بأنها الأحدث: «حركة كفاية»، «حزب الغد»، و«الجمعية المصرية من أجل التغيير»، وحتى الإخوان المسلمين، الخصم التقليدي الأقوى للنظام.
وفي موقع «شباب 6 إبريل» على شبكة الانترنت، يمكن رصد نمو هذا الجيل ودخوله في معترك السياسية منذ العام 2000، وتاليا في كل الاحتجاجات التي شهدتها مصر منذ ذلك الحين. ولم يحدث الانعطاف إلا في العام 2008 مع إضرابات عمال المحلة. لقد اتخذت الحركة اسمها من تاريخ إضراب عمال المحلة في 6 إبريل 2008، وها أنتم ترون أن الإرهاصات توالت حتى أصبحت تلك الحركة الجنينية قوة تقود احتجاجات هزت مصر بعمق. المؤشر كان يتصاعد، لكن أحدا لا يقرأ: لا في النخب الحاكمة ولا في الأحزاب التقليدية.
ومن منظور تاريخي فحسب، يكمن استنتاج مرير: لقد تعاقب خصوم النخب الحاكمة منذ بواكير الاستقلال وحتى اليوم، من القوميين إلى اليسار ثم الإسلاميين ثم الأحزاب في ظل ديمقراطيات شكلية، وصولا (اليوم) إلى جيل جديد يتجاوز هؤلاء جميعا. لقد تعاقب الخصوم وباتوا الرقم المتغير في المعادلة، لكن النخب ظلت ثابتة لا تتغير، هي نفسها تجدد وجوهها في كل مرحلة.
هذه الحقيقة كامنة في العقل الجماعي العربي، في الوعي وفي اللاوعي، وخلاصتها عدمية إلى أبعد الحدود وباعثة على اليأس. على هذا، فإن ثورة بأكملها أطاحت بنظام قمعي مثل نظام بن علي، لم يفجرها سوى فعل يائس. شاب جامعي عاطل عن العمل، اشتغل في بيع الخضار متجولاً على عربة.
إن سحب عربة المرحوم البوعزيزي كان فعلا ينم عن أخلاق الطبقة الحاكمة وأجهزتها، وعدم قدرتها على فهم وضع يضطر فيه شاب جامعي عاطل عن العمل (بكل مدلولات البؤس التي يطرحها هذا الوضع)، لبيع الخضار على عربة متجولة. وعندما أراد تقديم شكوى، أظهرت الأجهزة منظومتها الأخلاقية في أقسى صورة: منع من تقديم الشكوى، فماذا يتبقى غير اليأس؟ فالشكوى باتت لدى هذه النخب (بفعل ثقافتها القمعية) محرمة أيضا.
الحقيقة الوحيدة التي يطرحها تشبث النخب الحاكمة بالسلطة في جمهوريات يفترض أن تقوم على تداول السلطة، هي أن الأفق مسدود أمام الناس، وعندما يخرج اليائسون في الشوارع، فإنهم يستنكرون عليهم يأسهم أيضا، فاليأس ممنوع والتعبير عنه يقرب من الخيانة.
وعندما تتجه ردود فعل السلطة إلى شبكة الانترنت وشبكة الهاتف النقال، فإنها ردة فعل جيل قديم ما زال يفكر بعقلية القمع وتجفيف المنابع وقطع التواصل، كوسائل للسيطرة أو استعادة السيطرة، متناسيا أن مدلولات الانتفاضة تتجاوز هذا إلى ما هو أبعد بكثير: مبررات هيمنة هذا الجيل القديم قد استنفدت مداها.. والاحتجاجات تطرح سؤالا وحيدا: ما هو مبرر هيمنة الجيل القديم بنخبته الحاكمة أو نخبه المعارضة على السلطة والحياة السياسية؟
ثمة حقيقة لا تطرح كثيرا، مرتبطة بشكل وثيق بالجيل القديم وقيم الجيل القديم من النخب الحاكمة ومنظوماتها الأخلاقية العتيقة. تلك المنظومة العتيقة البالية القائمة على مفاهيم القمع والاستبداد، حتى في التواصل اليومي مع مواطنيها. فرجال الشرطة في هذه الدول ما زالوا يمارسون أدوارهم اليومية بذلك النسق القمعي، القائم على الزجر والتخويف أكثر من إبداء الاحترام للناس، حتى في الألفاظ.. منظومة الزجر وتحقير الناس وإهانتهم كلاميا، المستمدة من قاموس زاخر بالسباب والإهانة. هذا هو الفهم السائد لدى معظم أجهزة الشرطة العربية لحفظ الأمن وهيبة النظام: «إهانة الناس وتخويفهم وشتمهم».
يمكنكم إدراك تأثيرها المدمر في نفسيات الناس، وهي تتربى جيلا بعد آخر ومنذ عقود طويلة في حياة يسودها العصاب: شعارات براقة من ماكينات دعاية إعلامية فجة ومملة، وممارسة يومية من السب والشتم والزجر على يد الشرطة وموظفي الدولة. ففي معظم الدول العربية، لا ينطق الشرطي أبدا بكلمة ود للناس، بل إنه ما زال يرفل في تلك الصورة البالية: وجه متجهم، شوارب كثيفة، ولا يفهم «الحزم» إلا على أنه سب وتخويف وزجر وكلمات نابية للناس.
ثقافة ذلك الجيل القديم، يعضدها إعلام رسمي غبي، يكرس منظومة الزجر والقمع والاستبداد، عبر استخفافه وبعدم قدرته على فهم أي تطورات تجري في بلده. فالإعلام العربي الرسمي في أغلبه، ليس سوى ماكينات لإعادة إنتاج البلاهة.
هذه عناصر أساسية في ثقافة نخب حاكمة تنتمي لأجيال عتيقة، وأدوات سيطرتها تدفعها دوما لنسيان حقيقة أساسية؛ حقيقة أن الاقتصاد المفتوح يتطلب أيضا حياة سياسية حيوية، ومتجددة أيضا. فالانفتاح الاقتصادي لا يمكن أن يسير مع القمع السياسي والاستبداد والاستئثار بالثروات. والرفاهية لا تقاس بأرقام الناتج المحلي الإجمالي، ولا نسبة نمو الاقتصاد، بل بالتوزيع العادل للثروة وسعادة الناس ورفاهيتهم، ومشاركتهم الحقيقية في السلطة وصنع هذه الرفاهية.
بل إن ثورة تونس تعيد التذكير بدرس ينساه الجميع: إن الناس عندما تفقد الكرامة تثور حتى لأبسط الأسباب. لكن عندما يسود الإحساس نفسه لدى غالب الناس، فإن المشاجرة البسيطة في الشارع يمكن أن تتحول إلى ثورة عارمة، لأن الأرض ممهدة.. لا تستخفوا بكرامة الناس أبدا.
كاتب وصحافي بحريني