شجعني على التطرق لهذا الموضوع، الخبرُ الذي قرأته الأسبوع الماضي، حول اعتزام جامعة زايد استضافة مؤتمر حوار الحضارات بين اليابان والعالم الإسلامي، في شهر مارس المقبل. فقد رأيت أننا أحوج ما نكون إلى ترسيخ أصول للحوار بيننا، قبل أن نفكر في محاورة الآخرين من ذوي الديانات والقوميات الأخرى.
هذه رسالة وصلتني عبر البريد الإلكتروني، بعد المقال الذي كتبته في هذه الصفحة قبل ثلاثة أسابيع تحت عنوان «حكم التنفس في الماء»، أعلق فيه على رسالة وصلتني بالبريد الإلكتروني أيضا، تتناول حكم التنفس في كأس الماء أثناء الشرب، من الناحية الشرعية، في الوقت الذي كانت الأخبار فيه تتواتر عن التفجير الانتحاري الذي جرى في كنيسة «القديسين» في الإسكندرية، ولم أتعرض في المقال للأحاديث الواردة في الرسالة بالقدح أو التشكيك، لكنني عجبت من انشغالنا بأمور ليست من صميم العقيدة، في الوقت الذي يجب علينا أن ننشغل فيه بما يجري حولنا من أحداث تشوه صورة الإسلام الذي يحث على المحبة والتسامح، ويحرم قتل الأبرياء والاعتداء عليهم.
يفتتح صاحب الرسالة، الذي لم يذكر اسمه، رسالته قائلا: «أنا أعجب لهجومكم غير المنطقي على كل نشاط إسلامي، حتى لو كان مجرد بحث صغير يتحدث عن سنة نبوية ضمن فقه الطب النبوي، تتعلق بالتنفس في الإناء. الغريب أنكم معاشر الكتاب الصحافيين الذين فتحت لكم الجرائد أبوابها، في حين أغلقت على من لا يقل عنكم ثقافة أو اطلاعا أو توازنا أو حرقة على واقع أمته أمثال... (يذكر هنا اسم زميل لا أرى داعيا لإقحامه في الموضوع) وقافلة حملة الشهادات العليا، مشكلتكم أنكم لا تطيقون أي منشط إسلامي، وخرج بكم ذلك عن موضوعيتكم، وإلا بالله عليك هل عميت عينك عن الغثاء الذي يملأ الجريدة التي تكتب فيها؟».
ثم يمضي بعد أن يستعرض بعض أبواب ذلك اليوم من «البيان» قائلا: «لم تعلق على كل ذلك واستفزك جمع لأحاديث نبوية، هل لم يستفزك كم الغثاء ولم تنتبه له لأنه أمر عادي بالنسبة لك ومقبول عندك؟ هل فقدت الحساسية تجاه هذا الغثاء لأن حساسيتك صارت تجاه كل ما هو إسلامي فقط؟ أعجب منكم معاشر الكتاب المسموح لكم، كيف يستفزكم منظر المنقبة المحتشمة وتحملونها مسؤولية تخلف الأمة، وكيف لم يتجرأ أحدكم فينتقد العرايا اللاتي يملأن الأسواق والشوارع؟».
ويكمل بعد أن يستشهد ببيتي شعر يعرّض فيهما بشخصي: «للأسف أنت وأمثالك ممن يسمح لكم بالكتابة خرجتم عن النص، وصار همكم التهكم بكل ما هو ديني، واصطياد هفوات العلماء، ليس بقصد النصيحة بل التهكم والسخرية. لم تلوم إسلاميا شغل وقته في استخراج درر نبوية، ينفع بها نفوسا زكية رزقها الله حب التدبر في الكون وآياته والقرآن وسوره والحديث النبوي وفقهه، في وقت منع فيه من الخوض في السياسة؟ ولو حلل حدثا ما انطلاقا من وجهة نظر شرعية اتهم باستغلال الدين في السياسة. تركتكم هذه النفوس الزكية تخوضون كما تشاؤون، وتحلون وتحرمون، وأبيتم إلا أن تحجروا عليها في كل شيء، حتى في التعليق على حديث نبوي. الحديث يمنع التنفس في الماء وأنتم تمنعون التنفس والتفكير والكتابة، ولو في آخر مكان يسمح بالكتابة فيه الانترنت».
وينهي رسالته قائلا: «اكتب ما بدا لك وانتقد، فأنت فوق الرقيب، واستهزئ بكل ما هو إسلامي لتدوم لك المودة، وتبقى أبواب الجريدة لك مفتحة، فأنت تعرف من أين تؤكل الكتف، وعزفك يطرب السلطان».
لم أتردد في نشر الرسالة لكونها تهاجمني شخصيا، وبعبارات أعتقد، بما توفر لي من معرفة متواضعة بعلوم الشريعة، أنها تعد قذفا مُحَرَّما ومُجَرَّما، لأنها تقوم على الظن وليس اليقين، وبعض الظن إثم بصريح نص القرآن الكريم الذي نحتكم إليه جميعا، ولم أتردد في نشرها لكونها تهاجم الصحيفة التي أكتب فيها، لأن صدور المسؤولين عنها تتسع للنقد، وإنما ترددت خشية أن أتهم باستغلال المنبر الذي أكتب فيه ضد من أختلف معه، لذلك قررت أن أنشر أهم ما في الرسالة كما وردتني دون تدخل، اللهم إلا بحذف التكرار لأسباب تتعلق بالمساحة المخصصة للنشر، وبشكل لا يخل بالمضمون أو يغيره.
ما هدفت إليه من نشر الرسالة ليس إحراج مرسلها لأنه لم يكتب اسمه أصلا، ولا مهاجمته لأنني أحترم حقه في إبداء رأيه، لكنني لا أتفق معه على أسلوب الحوار الذي انتهجه، فمثل هذه الأساليب في رأيي تؤخرنا ولا تجعلنا نتقدم خطوة إلى الأمام. للحوار آداب علمنا إياها الإسلام، تبدأ بالسلام الذي لم يبدأ به كاتب الرسالة رسالته، مع أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) كان يبدأ رسائله وينهيها بعبارة «سلام على من اتبع الهدى» عندما كان يخاطب ملوك الروم والفرس، وهم من غير المسلمين.
أقول للقارئ العزيز إنني مسلم موحد مثله، قد أختلف معه في الرأي، لكنني لا أغمطه حقه في إبداء رأيه. لم أدّعِ يوما أنني أفضل من أحد ثقافة ولا اطلاعا ولا اتزانا، ولا أكثر حرقة على واقع الأمة، ولا أملك سلطة السماح لأحد بالكتابة أو منعه منها، كما لا أملك حق التحريم والتحليل، ولا سلطة الحجر على فكر أحد أو منعه من نشر أفكاره في أي مطبوعة أو موقع إلكتروني، ولست فوق الرقيب ولا صاحب حظوة لديه، ولم أستهزئ يوما بما هو إسلامي كي تدوم لي المودة وتبقى أبواب الجريدة مفتحة لي، ولم أفكر يوما في أكل الكتف كي أتعلم من أين تؤكل، ولم أتعلم العزف كي أطرب أحدا كائنا من كان، فكل هذه اتهامات ساقها لي صاحب الرسالة من مجرد مقال أساء فهم الغرض منه.
هذا النوع من الخطاب والحوار هو الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه من ترد وصراع وفرقة، فليتنا نتعلم أصول الاختلاف قبل أن نتعلم مبادئ الاتفاق، وليتنا ننهج أسلوب الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، كي لا نصل إلى هذا المستوى من الخطاب الذي يجعلنا نتأخر، بينما تتقدم الأمم والشعوب، وترقى بالحوار الذي لا يلغي الآخر ولا يسخر منه.