من الظواهر التي تتحكم في حياتنا الثقافية والفكرية، أن بعض الدعاة يسطون على المعارف والنظريات العلمية ليسقطوها على القرآن وينسبوها إلى الإسلام، فيما المنتظر أن ننتج معارف جديدة وثمينة حول الواقع والعالم.

هذه الآفة التي تشهد على زيف أصحابها وعجزهم، ليست جديدة. ولكن كنّا نظّن أنها تقتصر على أصحاب الاتجاه الأصولي المتشدد، كما تمارس القرصنة المعرفية منذ عقود، وربما منذ أفاق العرب والمسلمون من سباتهم، بعد أن فوجئوا بتفوّق الحضارة الغربية وهيمنتها.

ولكن هناك مثقفين حداثيين، ليبراليين، قد أصابتهم العدوى، كما هي حال أولئك الذين لا يخشون القول، ومن غير تقى فكري، بأن المسلمين قد سبقوا الغربيين إلى ممارسة العلمانية. وأنا من القائلين بأن هناك بُعداً علمانياً في الحضارة الإسلامية، كما تمثّل ذلك، خاصةً، في الفصل بين السلطة السياسية والسلطة الدينية، ولكن العلمانية لم تتحوّل عند المسلمين إلى مفهوم مركزي أو شعار سياسي أو عنوان حضاري، كما حصل في الغرب الحديث.

وبالإجمال، هذه حال المثقفين الذين يهاجمون الغزو الثقافي الغربي، فيما ألقابهم هي غربية، ومعارفهم مصدرها الجامعات الغربية، الأوروبية أو الأميركية. مثل هذه المفارقة الفاضحة هي التي دفعتني، ذات ندوة، إلى أن أُطالب أحدهم، وكان يعلن الحرب على الغزو الثقافي، بأن يخلع لقب «الدكتور» ويستبدله بلقب «الشيخ» أو «العلاّمة».. والأمثلة كثيرة، هذه هي أيضاً حال من ينظّر لفلسفة عربية مستقلة، أو لفضاء فلسفي إسلامي مستقل، فيما هو يستخدم، في دراسته أو محاضرته، أقوال فلاسفة الغرب؛ هذا إذا لم نشأ التذكير بأن الفلسفة هي اختراع يوناني، من حيث اللفظ والنشأة..

ومن طرائف الأمور أن الباحث المصري علي سامي النشّار، كان يعتبر أن الفارابي وابن سينا وابن رشد ليسوا فلاسفة مسلمين، ولا يمثلون الفلسفة الإسلامية، لأنه كان يرى أن للإسلام «فلاسفته وميتافيزيقاه»، هكذا لم يجد سوى ألفاظ يونانية للتعبير عن مسمّى الفلسفة الإسلامية.

لا يعني ذلك أن الفلسفات لا تختلف أو تتلوّن، باختلاف العصور التاريخية والسياقات الحضارية أو البيئات الثقافية والأقاليم الجغرافية.. فالمعطيات هي دوماً خاصة، والأحداث هي أصلاً ذات فرادة، ولكن ما ينتج حولها من المفاهيم والأفكار خارق لحواجز اللغات والثقافات. وهذا شأن كل إبداع فلسفي أو أدبي أو فني.. بل هذا شأن العقائد والديانات، فهي تعدّت حدود المجتمعات التي نشأت فيها، لكي تنتشر ويُعاد إنتاجها، في أماكن أخرى، بنسخ جديدة ولغات مختلفة.

أما الشاهد الأبرز الذي أودّ التوقّف عنده، فهو يختص بحداثيين اعترتهم اللوثة، ولذا نراهم يحذّروننا من استيراد الأفكار والإشكاليات من أوروبا، لأنها «نتاج التاريخ الأوروبي» (على ما جاء في حوار الدكتور جورج قرم إلى مجلة «الدوحة»، عدد كانون الأول ‬2010).

ولو قالوا لنا أنه يجدر بنا أن نُنتج معرفة أو نُبدع فكراً، لأن الأفكار المنتجة في أوروبا قد استُهلكت، أو وصلت إلى مأزقها، لكان الأمر معقولاً ومشروعاً أو مفيداً. أما أن يقوموا بتجنيسها وأقلمتها، لكي يقولوا بأنها نتاج التاريخ الأوروبي، فتلك فضيحة فكرية، إذا عرفنا أنهم يكتبون بالفرنسية، وقضوا شطراً من حياتهم يعملون في أوروبا، فضلاً عن كون ألقابهم ومعارفهم هي ثمرة الثقافة الأوروبية. أقول فضيحة، لأن مؤدى موقفهم هو أنهم يريدون لنا أن نعود إلى الوراء، لنقيم في قوقعة الخصوصية، وفي ذلك جهل مركّب بالمجريات العالمية والتحولات الفكرية.

الوجه الأول لهذا الجهل؛ أن الأوروبيين لا ينامون على أفكارهم ونماذجهم ومنظوماتهم المعرفية أو الإدراكية، بل يعيدون النظر فيها، في ضوء التحديات والتحولات، وعلى وقع الأزمات والصدمات. ولذا نرى النقد يطال مختلف العناوين الحديثة بالتشريح والتحليل، لإعادة تركيبها وبنائها أو لتطويرها وإغنائها وتفعيلها. حتى فروع المعرفة عندهم تخضع للنقد، ولذا نجد اليوم من يتساءل عن جدوى علم الاجتماع، لأن المجتمع الذي يتحدث عنه علماؤه، لا علاقة له بالواقع البشري والحراك الاجتماعي.

والوجه الآخر للجهل والقفز فوق المجريات، هو أنه ما عاد ممكناً أو مجدياً الفصل الحاسم بين الأنا والآخر، في المجال الفكري والمعرفي، في عصر الاعتماد المتبادل وتشابك المصالح والمصائر. فالأفكار الحية والخصبة، المنتجة في بلد، هي سلع رمزية خارقة يمكن الإفادة منها في بلد آخر. من هنا استحالة الفصل بين المحلي والكوكبي. لقد بات التداخل أمراً واقعاً، ولذا فالدارس والمحلّل، حتى عندما يدعو إلى أفكار تخص تحديث مجتمعه أو تنمية بلده، إنما يستخدم من حيث يعي أو لا يعي عدة فكرية أنتجها غيره، من غربيين وسواهم. هذا ما يفعله الذي يدعو إلى إنتاج منظومة إدراكية عربية، فتعبير «المنظومة الإدراكية»، ليس من نتاج عربي.

وهكذا فإن المفكرين المحترفين، من الفلاسفة والعلماء والمنظّرين لمشاريع التغيير، لا يحصرون نشاطهم في درس مجتمعاتهم، بل نجد الواحد منهم يفكّر بصورة عالمية، فيما هو يشخّص المشكلات ويبحث عن الحلول للأزمات. قد تكون المعطيات والشواهد التي يشتغل عليها ويحللها أوروبية أو أميركية أو آسيوية، ألمانية أو برازيلية أو يابانية، ولكن النظريات والمقولات التي تنتج، تكتسي بعدها العالمي والكوكبي. وهذا هو معنى الحديث عن «حكومة عالمية»، إذا شئنا أن نعرف معنى أو مبنى ما نقول: لا معنى بعد الآن للكلام على الاستيراد الفكري.

وهذا ما أحاوله من جهتي، لا تقيدني خصوصية أو تأسرني هوية، لأنني أعتبر أن العالم، بأحداثه ومجرياته وأزماته، هو المدى الأوسع لفكري. ولذا فأنا، فيما أتأمل التجارب والنماذج، في ما يخص مشاريع النهوض والتحديث والإنماء، أتحدث عن الإخفاق العربي أو الإيراني، كما أتحدّث عن النجاح الماليزي أو التركي؛ وأتكلّم على التراجع الأوروبي، كما أتكلّم على الدول الناشئة الصاعدة على المسرح، كالصين والهند والبرازيل.. ولا حاجة إلى التأكيد على أن ما ينتج من أفكار خصبة وخارقة للحدود، في بلد ما، يخضع للتحويل الخلاّق والتركيب البنّاء، عندما يجري استثماره في بلاد أخرى. ففي النهاية كل مجتمع يبتكر صيغته ويصنع نموذجه.