في تأريخهم للقضية الفلسطينية وسواها من المسائل الساخنة في «الشرق الأوسط»، يفترض بعض المختصين الغربيين أن القوى الإقليمية المحلية الضالعة مباشرة في هذه المسائل تحظى باستقلالية كبيرة عن الدول الكبرى الداعمة لها.

يمكن التمثيل لهذا الفهم بواحدة من معالجات هنري لورنس، المؤرخ والمحاضر في «كولنج دي فرانس»، يذهب فيها إلى أن«..الفيتناميين والعرب كانوا يؤثرون في السياسة السوفيتية تجاه الأزمة الفيتنامية وإسرائيل بأكثر مما يتأثرون بها.. وقد كانت إسرائيل تتمتع بالميزة ذاتها بالنسبة للتوجهات والمواقف الأميركية إزاء الصراع العربي الإسرائيلي وقضية فلسطين..».

عيب هذا التكييف أنه يميل إلى التعميم من جهة، وأنه لا يتوخى الدقة في تناول الوقائع ولا يأبه كثيرا بالسياق التاريخي للعلاقة بين الأطراف الإقليمية والدول الكبرى من جهة أخرى.

تاريخيا، مرت علاقة العرب بالحليف السوفييتي بمرحلتين.. ففي عهد المد القومي كان لهم بالفعل تأثيرا وكلمة مسموعة لدى موسكو، وقد حافظوا على مسافة معها بحيث يصعب الادعاء بتبعيتهم المطلقة لها على الرغم من تأييدها وانحيازها لهم ضد إسرائيل. يدل على ذلك أن أكثر العواصم والنظم العربية صلة وثيقة بموسكو في تلك المرحلة لم تتوقف عن مطاردة الناشطين الشيوعيين العرب والتضييق عليهم. وفى ذروة الحاجة إلى الظهير السوفييتي، أخرج الرئيس الراحل أنور السادات الخبراء السوفييت من مصر عام‬1972، وهو الذي حارب بسلاحهم بعد عام واحد.

أما في المرحلة اللاحقة، التي شهدت تضعضع حالة الفوران القومي بالتزامن تقريبا مع غروب النجم السوفييتي ثم أفوله، فقد أظهر العرب قدرة محدودة تماما على التعامل بندية أو باستقلالية عن القطب الأميركي بعد أن تربع وحده على قمة النظام الدولي. لقد زال هامش المناورة أمامهم، وبدورها لم تبد واشنطن قدرا معقولا أو مقبولا من التسامح مع مثل هذا الهامش.

الشاهد أن عرب أيامنا هذه مازالوا تقريبا يعيشون هذه الحالة،وهذا يناقض الاعتقاد بأن الحلفاء المحليين أو الإقليميين يؤثرون بقوة في سياسات القوى الدولية المنغمسة في صراعات تخصهم. فكل الضغوط والشكاوى العربية فضلا عن زخم المصالح الأميركية المنتشرة في طول بلاد العرب وعرضها لم تتمكن من إقناع واشنطن، ناهيك عن إجبارها، بتغيير موقفها من سياسة الاستيطان الإسرائيلي التحى لا تعدو كونها جزئية واحدة في سلة معضلات التسوية الفلسطينية.

على مقلب العلاقات الإسرائيلية الأميركية، ندفع بأن مقولة هنري لورنس ومدرسته تكاد تفقد صدقيتها إلى حد كبير. فقد ظل الحليف (القطب) الأميركي في كل المعطفات واللحظات الفارقة صاحب اليد العليا في إملاء سياساته على تل أبيب.. أو لنقل ان الطرفين بقيا على انسجام وتوافق في تعاطيهم مع مفردات الصراع العربي الإسرائيلي وقضية فلسطين، مع وجود أولوية لرؤى الطرف الأميركي.ومؤخرا باح بنيامين نتنياهو، في لحظة صدق نادرة من جانبه، بأن«..الولايات المتحدة هي التي حالت دون قرار كان ينوى اتخاذه بتجميد الاستيطان لثلاثة أشهر إضافية.. »، مخالفا بذلك التصور السائد لدى كثيرين بأن إسرائيل هي التي تعاكس الإرادة الأميركية تجاه موضوعة الاستيطان!.

ومن تجليات علو كلمة واشنطن أيضا، أنها كانت وما تزال الكابح الأساسي، ولعله الأوحد، لمساعي إسرائيل في التعامل عسكريا مع البرنامج النووي الإيراني. وفى قناعتنا أن قادة إسرائيل المتنمرين والمتلمظين لن يجرؤا على تنفيذ خيارهم «الحربجى» في هذا الإطار بدون الحصول على شارة أميركية خضراء، لا يبدو أنها بوارد الإضاءة إلى أجل غير مسمى.

إن أحد أهم الأسئلة التي تراودنا في هذا السياق يتعلق بكلمة السر في تحديد حجم تغلغل القوى الدولية في سيرورة القضايا الإقليمية؟. وإذا حصرنا نطاق هذا السؤال بقضايا منطقتنا العربية على الصعيدين الداخلي والخارجي، وجدنا أن هذه الكلمة تكمن في مستوى صلابة النظام العربي..الأمر ببساطة أن أقطاب النظام الدولي لديهم حساسية مرهفة لأداء هذا النظام، توحدا وائتلافا وتفرقا وانفراطا.وينطبق هذا التصور البديهي على أحوال دول النظام من الداخل.. فكلما تفاقمت الصدوع الداخلية، متعددة الأسباب والعناوين، باتت هذه الدول أكثر انكشافا أمام التدخلات الدولية.

المدهش أن إسرائيل ليست في تقديرنا ممن يسري عليهم تصورنا هذا. فهي كدولة استيطانية كانت منذ نشأتها الأولى وستظل إلى أجل يصعب تعيينه وفى كل الأحوال، بحاجة ماسة إلى مدد القوى الدولية التي استزرعتها.هذه واحدة من سنن الكيانات الاستيطانية محدودة الموارد الذاتية، التي تقحم عنوة في محيط إقليمي مغاير.