في الإمارات نتمنى التوطين ولكن، كما يبدو يخاف البعض منه. نتمنى أن نرى مواطنين حاصلين على أرقي الشهادات الجامعية العليا ومن أفضل الجامعات العالمية وفي كل التخصصات العلمية والمهنية، مواطنين يحتلون أرفع المناصب المناسبة لتلك التخصصات ولكن أيضا نحٍجم المواطن حين حصوله على تلك الشهادات وتقلده لتلك المناصب ونخلق من حوله بيئة غير سوية تدفعه إلى التفكير ليس إلى الارتقاء بذاته وتنمية مهاراته وخبراته ولكن إلى التقاعد المبكر.
في مجتمعنا نتمنى أن نرى مواطنين وقد تسلموا مناصب عليا وعلى رأس مؤسسات مهمة وفي مناصب قيادية كبرى ولكن أيضا نقلل من شأنهم متى ما تسلموا تلك المناصب ونأتي بأجنبي لكي تكون له الكلمة النهائية عليهم. في مجتمعنا نتمنى أن يدرس شبابنا تخصصات نادرة في الطب والكيمياء، في الهندسة وعلوم البترول، في علوم الطيران والحاسب الآلي ولكن دون إتاحة فرص عمل مناسبة لهم للاستفادة مما درسوه حتى يخيل للمرء أن هناك علاقة عكسية في مجتمعنا ما بين ارتفاع مؤهل الفرد وبين فرصته للحصول على وظيفة تناسب تلك المؤهلات.
وبينما تزخر وسائل إعلامنا بدعوات للتوطين وتصدر الكثير من الشعارات من قبل مسؤولين عن ضرورة التوطين وأهميته لأنه ضرورة اجتماعية واقتصادية وأمنية، نصطدم برفض تلك الجهات التي يرأسها أولئك المسؤولين أنفسهم عن تشغيل المواطنين بينما تفتح مؤسساتهم تلك ذراعيها للأجنبي. وهكذا توفر بلداننا ملايين من فرص العمل السنوية للشباب القادم من الخارج بينما يجلس الآلاف من الشباب المواطن عاطلاً عن العمل. هذه بعض التناقضات الموجودة في مجتمعنا والتي يحسها المواطن وحتى الوافد أحيانا. فهل هناك خوف مبطن من التوطين أم أن هناك دوافع أخرى تمنع من إغلاقه نهائيا أو من تحوله إلى ملف شائك ومعقد وما هو دور المواطن نفسه في إعاقة التوطين أحيانا؟
لا شك أن التوطين يعد ملفا شائكا في مجتمع معقد التركيبة السكانية ولكنه يصبح أكثر تعقيدا حين يرتبط ببطالة مواطنة وأزمات اقتصادية صعبة. فظاهرة البطالة الشبابية المواطنة بدأت في الظهور قبل الأزمة المالية ولكن مع تفاقم الأزمة المالية زادت تلك الظاهرة وبدأت في البروز بشكل كبير كما بدأت بالبروز معها بعض الممارسات المهنية والسلوكية من قبل أفراد أو مؤسسات يمكنها بشكل كبير أن تؤثر سلبا على عملية التوطين أو حتى أعاقتها. وفي الواقع لا ينظر في هذه السلوكيات أو تدرس إلا على استحياء كونها تعد سلوكيات شخصية.
فالجميع يصر على أن هناك عوامل مهنية كعدم مواءمة المؤهلات مع فرص العمل المتاحة والتوزيع الجغرافي للبطالة ولكن القليل منها يتطرق للسلوكيات الشخصية التي تقف أحيانا عائقا أمام تقدم عملية التوطين. لذا سوف يبقي ملف التوطين معقدا ما لم تفسر وتحل هذه السلوكيات المجتمعية والمهنية. ففي تفسيره لبطء عملية التوطين وضع أحد المسؤولين أسبابا كثيرة. فهناك عوامل اقتصادية وإدارية واجتماعية كما أن هناك سلوكيات من قبل مدراء أو أفراد غير مسؤولين تتسبب تصرفاتهم في إعاقة التوطين. فهناك مواطنون يقفون في وجه المواطن لمنعه من الوصول إلى وظيفة معينة أو حتى الحصول على ترقية في عمله.
فمم لا شك فيه أن الجميع يتمنى الوصول إلى أعلى السلم الوظيفي بسرعة ولكن أن يصل الشخص ويمنع وصول الآخرين عن طريق التقليل من انجازاتهم أو الضرب بعرض الحائط بنجاحاتهم فهو ما يؤثر على عملية التوطين ويمنع المواطن الأخر من الوصول إلى وظيفة أو منصب مناسب. فحب التسلق والحسد والغيرة من نجاحات الآخرين وعدم القدرة في العمل بروح الفريق كلها عوامل إنسانية موجودة وهي بالتأكيد تؤثر على عملية التوطين. فليس كل رئيس عمل هو شخص مسؤول وليس كل من وصل يحب الخير لمن حوله، بل أن بعض من تسلق السلم الوظيفي قام بسحب ذلك السلم إلى الأعلى منعا لغيره، أو وضع العراقيل في طريق من بعده حتى لا ينافسه ويؤثر على فرص ترقيه الوظيفية.
وهنا تقف هذه الممارسات والسلوكيات النفسية والاجتماعية كعقبة في سبيل وصول مواطن أخر إلى نفس الدرجة أو المنصب. كما أن عامل الحسد من العوامل التي تعيق عملية التوطين. فالبعض يراقب نجاحات الآخرين وانجازاتهم وتقتله الغيرة والحسد، ويلجأ إلى الكثير من الطرق الملتوية للتقليل من نجاحات أولئك الأشخاص عن طريق أسلوب «ضرب الشجرة المثمرة» وقد ينجح هذا الأسلوب إذا كان الشخص السلبي هو صاحب قرار فيلجأ إلى إنكار جهود زملائه أو التقليل من شأن انجازاتهم أو نشر الإشاعات والأقاويل حولهم الأمر الذي يؤثر على فرص حصولهم على تلك الوظيفة أو ترقيهم في العمل. وهكذا تمشي عملية التوطين ببطء أو حتى بخجل.
فكيف ينظر ذلك المواطن الذي حرم من أن ينال وظيفة أو ترقية في عمله بسبب مواطن أخر إلى هذا الأمر؟ إذا كان الظلم صعبا فظلم ذي القربى أصعب. فالمواطن الذي حرم من حقه بسبب أخر سوف يحمل إحباطا وحقدا سوف يؤجج بيئة العمل أو حتى يسممها. كما أن ذلك المواطن الذي منع غيره من الوصول إلى هدفه أنما وضع عقبة في طريق التوطين وبالتالي منع لبنة في بناء وطنه. فكل مواطن أنما هو جهد تم استثماره إلى أن صار شجرة تؤرق على الأرض وترفرف على الوطن. ولكن أنانية البعض منعت هذه الشجرة من أن تمد جذورها في تلك الأرض أو أن تلعب دورا في بناء المجتمع.
إن التطلع إلى الأفضل والى الأمام هو هدف يسعى له كل البشر، ولكن البعض يعتقد أن فرصته للأمام لا تكون سهلة وممهدة إلا عن طريق إعاقة غيره. وهنا تكون الكارثة. فهؤلاء فقدوا حاسة العمل بروح الفريق كما فقدوا روح العمل الجماعي وليس أمامهم إلا العمل المنفرد الذي يعتقدون أنه يبرز جهودهم أمام رؤسائهم. لهؤلاء وأمثالهم نقول لهم إن العمل هو ثمرة جهود الجماعة وإنه لا عمل منفرد استطاع الوصول إلى غايته. فعمل الإنسان للإنسان هو غاية العمل في النهاية ومبتغاه.