«هذه ليست أميركا.. فأميركا لم تبن على الكراهية» بهذه الكلمات عبر رجل الدين الكاثوليكي الأميركي الكاردينال «تيودور مكاريك» عن أحوال البلد الإمبراطوري.
كلمات الكاردينال جاءت في أعقاب الأزمة التي نشأت بحول الحادي عشر من سبتمبر الماضي بوجهيها الأول الخاص بدعوة القس المزيف «تيري جونز» لإحراق القرآن الكريم، والثاني المتعلق ببناء مركز إسلامي بجوار موقع برجي نيويورك.
حديث العنصرية وانقسام أميركا على ذاتها يتجاوز الحدثين المتقدمين وينذر بمخاوف جسيمة، ولعله يتحتم علينا التوقف أمام ما أشارت إليه «صوفي بودي» الاختصاصية بالعلوم السياسية من جامعة باريس الرابعة «السوربون» مؤخراً بشأن التباينات الاجتماعية في المدن الأميركية وكيف أنها باتت توجج نيران العنصرية.
تلفت الباحثة إلى انه وفقاً لتقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة في أكتوبر 2008 تشهد كبرى المدن الأميركية تباينات اقتصادية شبيهة بتلك السائدة في المدن الأفريقية.
والمؤكد أن الأميركيين من أصول أفريقية هم تلك الفئة شبه المهمشة، حيث تبلغ البطالة بينهم نحو8٪ مقابل 4٪ للبيض، فيما يصنف 25٪ من السود بأنهم يعيشون دون خط الفقر، كما يقدر معدل دخل الأسود بحوالي 32 ألف دولار سنوياً مقابل 51 ألفاً للأبيض.
يخبرنا الدكتور جيمس زغبي مدير المعهد العربي الأميركي بواشنطن انه بالعودة إلى الوراء عام 1964 كانت صكوك الملكية العقارية في شمال غرب واشنطن تتضمن تعهداً يمنع بيع ذلك العقار إلى أميركي من أصل إفريقي، وبعد نحو أربعة عقود من إعلان هذه المواثيق باطلة ولاغية، فقد ظلت واشنطن دي سي عاصمة الولايات المتحدة عاصمة منقسمة بشكل غير عادي، ذلك انه رغم أن ثلثي سكان المدينة من الأميركيين الأفارقة فان واشنطن تنقسم تقريباً إلى نصفين من الشمال إلى الجنوب بواسطة حديقة «روك كريك» احد جانبي الحديقة يسكنه أكثر من 90٪ من البيض والآخر لا يزال 90٪ من سكانه من السود.
هل تقود هذه الأزمات إلى ثورة داخل أميركا؟
يرى منظر العولمة الأشهر «توماس فريدمان» ان ثمة ثورة تختمر في الولايات المتحدة، وأنها ليست ثورة في الجناح اليميني، بقدر ما هي متركزة في أعماق الوسط، وينسب فريدمان إلى الكاتب «لاري دياموند» الخبير السياسي في جامعة ستانفورد قوله: إن لدينا حزبين مفلسين أسهما في إفلاس البلاد، مضيفاً: ان نظام الحزبية الثنائية في الولايات المتحدة هو نظام متحجر غير متكامل وعديم الإبداع وتنقصه الشجاعة وعاجز عن مقارعة ومعالجة المشكلات التي تعانيها أميركا.
الدستور الأميركي وهو من أرقى الدساتير حول العالم قولاً يحتم «ان تتجاوز أميركا الاختلافات الاثنية والحواجز اللغوية أو الانقسامات الدينية، ويجعل من المهاجر الجديد في مستوى قانوني؟ كما أحفاد الآباء المؤسسين، فإن ذلك كله يبدو مؤخراً أضغاث أحلام سرعان ما يستفيق منها المرء، فلا يجد دولة ثقافة واحدة أو نظام سياسي أو قواعد سياسية بعينها ولن يجد إلا أميركا لا تنطق بغير الأميركية ولا مجال في جنباتها للصينية أو العربية ولا حتى الاسبانية».
وإذا كانت حرية العبادة مكفولة دستورياً فان الإرث الظاهر الذي يعلن عن نفسه هو ارث مسيحي يهودي يمكن ان يجمع الكاثوليك مع اليهود شريطة ان يكونوا كاثوليك من الصول أوربية؟ أما الكاثوليك من أصول اسبانية وهم الأكثرية فلا مجال لهم في الحياة الروحية إلا هامشياً، أما عن العرب والمسلمين فلا تسل.
حكماً باتت هناك حالة من الرفض لدى الرجل الأبيض لكل الأعراق الأخرى، وقد كانت حركة الشاي التي لعبت دوراً فاعلاً في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس رابضة خلف البابا لكل الملونين ومنادية بان أميركا هي بلد الرجل الأبيض، بل ان البعض مثل الإعلامي الأميركي المعروف بتوجهاته المحافظة والمتشددة «غلين بيك» لم يتردد ان يقود المظاهرة الحاشدة التي نظمتها الحركة في واشنطن وردد عدد كبير فيها شعارات ضد الرئيس باراك أوباما وفي خطبته للجماهير قال «إن أميركا بدأت تعود إلى الله بعد سنوات مشت فيها في الظلام»، أما شريكته سارة بالين فقد دعت إلى «استرداد أميركا واستعادة شرفها».
مخاوف الرجل الأبيض اليوم تتسارع بعد ان أشارت آخر إحصائيات للسكان ان حوالي 12 ولاية أميركية غالبية سكانها من المهاجرين الأسبان أو من الملونين السود أو العرب أو المسلمين وان الوضع إذا استمر على هذا المنوال فإن الأميركيين الـ WASP أي أصحاب الأصول الانجلوساكسونية البيض البروتستانت سيضحون بحول العام 2040 أي خلال ثلاثين عاماً تقريباً أقلية لا يزيد عددها على 30٪ من سكان الولايات المتحدة.
هل نحن على مشارف أميركا أخرى؟ أغلب الظن ان حملة الرئيس باراك أوباما التي ستنطلق عما قريب لترشيحه لولاية ثانية ستكون منعطفاً خطيراً لتحديد مستقبل أميركا فإما ان تنتصر لروح الآباء المؤسسين من عدالة وحرية ومساواة أو تنهزم في داخلها أمام تيارات العنصرية والكراهية، منقسمة فرقاً وشيعاً وجماعات دون أن تغفل ان كل بيت ينقسم على ذاته يخرب وان كل مملكة تنقسم على ذاتها لا تثبت.