في تاريخ الدولة العربية علاقة إشكالية بين الدين والدولة، وقد تبدت هذه الإشكالية فور وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم)، الذي لم يبد رأيه بتحديد شكل الدولة ولا بهيكليتها ولا بعلاقتها بالدين، ولذلك بدأت الخلافات بين المسلمين حول علاقة الدين بالدولة منذ الساعات الأولى لوفاته، واستُعمل العنف منذ ذلك الوقت (استخدم في اجتماع السقيفة ضد سعد بن عبادة مرشح الأنصار للخلافة الذي كاد أن يقضي نحبه من الضرب) ثم صار هذا العنف دموياً، فاغتيل الخلفاء الثلاثة عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب (لأسباب تتعلق بالسلطة والدولة)، وتحول هذا العنف فيما بعد إلى مذابح بين فئات المسلمين (معركة الجمل، معركة صفين، مذبحة عاشوراء، تمرد الخوارج وحروبهم.. مذابح أبي العباس السفاح.. وغيرها) وسفكت الدماء وقضى عشرات الآلاف نحبهم.
وشارك صحابة الرسول الكريم في هذه الحروب ذات الطابع السياسي (والغطاء الديني) وتحزب بعضهم لطرف وبعضهم الآخر لطرف آخر، ويقيت المشكلة في التمييز بين (الخلافة والمُلك) (الخلافة بما هي دين والملك بما هو غلبة وقهر) ابتداء من العهد الأموي كما قال ابن خلدون، عندما استأثر معاوية بالخلافة لنفسه ثم أورثها. وذلك كله لأن علاقة الدين بالدولة لم تكن واضحة، ولأن رجال السياسة حاولوا استغلال الدين للحصول من خلاله على الشرعية، دون أن يجدوا نصوصاً واضحة تؤيدهم أو تخالفهم، ووظفوا الدين في خدمة السياسة لقرون طويلة. وقد استفاد الأمويون والعباسيون من هذه الإشكالية فاستأثروا بالخلافة وحولوها إلى (ملك عضوض).
توحدت السلطتان الدينية والزمنية طوال عهد بني أمية والعهد العباسي الأول (أي عندما كان الحكم بيد العرب) ثم انفصلتا بدءاً من العصر العباسي الثاني فصار الخليفة للسلطة الدينية وكان عربياً، والسلطان للسلطة الزمنية وكان فارسياً أو تركياً أو من المسلمين غير العرب، ثم بدأت تظهر ازدواجية هذه السلطة عندما لم تعد سلطة عربية صافية. وبقيت الازدواجية قائمة في الدولة الإسلامية (على مختلف تسمياتها) إلى أن توحدت السلطتان وتماهتا أيام (الخلافة) العثمانية، أي منذ مطلع القرن السادس عشر حتى بداية القرن العشرين. ورغم توحد الأمرين (الدين والسياسة) في هذا العصر أو ذاك، فقد بقي الناس يميزون بينهما تحت شتى المسميات (الخلافة.. السلطنة.. الخ). ومازالت السلطة في البلدان العربية والإسلامية بحاجة لخيمة الدين تستظل بها، وهي نفسها التي تسعى لتسييس الدين لتخترع مرجعية لها، لأنها تفتقد المرجعية الشعبية، وهذا ما أبقى معظم الأنظمة السياسية العربية على عتبة الحداثة والعلمانية أو حتى ضدهما، وكانت هذه الأنظمة دائماً سعيدة برفض رجال الدين للحداثة والعلمانية بل كانت تشجعهم على ذلك لأنها مستفيدة من تداخل الديني والسياسي.
وبحاجة للدين تحكم باسمه مباشرة أو مداورة، وتزعم التزامها به، وتحارب من خلال مواقفها المؤيدة لرجال الدين أي تحديث أو إقامة دولة حديثة بمفاهيمها المعروفة التي لا تتناسب مطلقاً مع مفاهيم ومعايير هذه الأنظمة، ولذلك كان من الطبيعي أن يحارب رجال الدين الحداثة والتحديث والعلمانية وأن يستقووا بالأنظمة السياسية القائمة، بل يبتزوا هذه الأنظمة نتيجة هذه المواقف. وعليه فإن التيار الأصولي لا يطالب بحرية دينية، فهذه متاحة له في جميع البلدان العربية والإسلامية، وإنما يطالب ضمناً بالسلطة السياسية برمتها، واستطراداً لا تطالب الأصولية بتحرير الدين من السياسة واستقلاله وعدم تدخل الأنظمة السياسية والسياسيين في شؤونه، وإنما تطالب بتسييس الدين لا إبعاده عن السياسة، لقد وظفت التيارات الأصولية الدين من أجل نشر أيديولوجيتها وتحقيق سياساتها ومفاهيمها، ولا تقع مشكلتها في معارضة الأنظمة السياسية لها بل في سعيها لاستخدام السياسة بأوسع معانيها لتنفيذ أهدافها، لهذا يصح القول إن الدولة العلمانية تتيح للدين الانعتاق من أسر هؤلاء الأصوليين ومن أسر السلطة السياسية في الوقت نفسه، وتتيح له التحرر من مؤثراتهما والتقدم بما هو دين، وبالتالي فمن غير الصحيح اعتبار أن الدولة العلمانية تحارب الدين، وهذا ما أكده مؤخراً رجب طيب أردوغان رئيس وزراء تركيا الذي يحكم باسم حزب إسلامي.
كانت السلطة السياسية طوال التاريخ العربي الإسلامي تتلطى تحت خيمة الدين وتأخذ شرعيتها منه، وترتكب الأخطاء وتستبد وتمارس العسف باسمه، وتحرص على تسييسه، وترضي رجاله ببعض الامتيازات، وتحولهم إلى ناطقين باسم السلطة السياسية، ومدافعين عنها (ولم يشذ عن ذلك إلا القليل). وما زالت بعض الأنظمة السياسية في البلدان العربية بحاجة لخيمة الدين هذه لتؤكد شرعيتها غير المتوفرة شعبياً. وبسبب هذا تدير ظهورها للحداثة والعلمانية وتحاربهما وتعتبرهما خروجاً عن الدين والقيم والتقاليد، لأن ثمن تبنيهما يكلف هذه الأنظمة ـ على الأقل ـ تغيير بنيتها ونهجها.