الدائن والمدين طرفان غير متكافئين في معادلة تفتقر إلى التوازن، الحديث عن الصلة بينهما كأفراد يبقى ذا
طابع خصوصي، وتبعات هذه الصلة لا تتجاوز، في أسوأ الحالات، إشهار إفلاس المدين وتصفية الحسابات مع الدائن وفق القوانين المتعارف عليها في الدولة. إلا أن الخلل في هذه المعادلة يصبح أكثر خطورة حين يكون الدائن منظمة دولية كبيرة مثل البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي وحين يكون المدين إحدى الدول النامية الفقيرة أو دولة غنية أتعبت اقتصادها سياسات هوجاء بددت ثرواتها من خلال الدخول في صراعات وحروب عبثية كما هو حال بعض الدول في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.
الديون التي بذمة الدول المدينة نوعان، بعضها داخلي، الدائن فيه بنوك محلية أو شركات أو أفراد، وبعضها الآخر خارجي الدائن فيه مؤسسات مصرفية كبيرة أو دول كبرى. ومع أن لكليهما تأثيرات سلبية على الدولة وإعاقية لطموحاتها، إلا أن الديون الخارجية أكثر ثقلاً وذلك لأن تبعاتها خطيرة ومتشعبة خاصة حين يكون الدائن أكبر من حجم الدولة المدينة. فحينذاك تصبح الديون أداة فعالة بيد الدائن تضمن له حق الدخول إلى الموارد الطبيعية والخامات التي يمتلكها البلد المدين وتضمن له إضافة إلى ذلك سلطة التحكم في البنية الاقتصادية والسياسية للبلد بطريقة تؤمن له الحصول على أفضل الامتيازات.
البنك الدولي وصندوق النقد الدولي عملاقان ماليان سياساتهما ليست ذات طابع اقتصادي فحسب بل ذات طابع سياسي آيديولوجي، فهما يستطيعان من خلال ما توفره آليات اللعبة الدولية المُحكمة لهما من سلطات أن يفعلا الكثير بغطاء دولي شرعي. فقد استمرت هاتان المؤسستان في لعب دور المنقذ لهذه الدولة أو تلك وهي تمعن في تكبيلها بشروط منح القروض دون مراعاة قدرة اقتصادها على السداد وفق الجدول الزمني الذي يتفق عليه. وساعدتها في تنفيذ ذلك حكومات هذه الدول التي افتقرت إلى سداد الرأي فأرادت أن تقدم لشعوبها حلاً يحقق انفراجا آنياً لأزمة تواجهها متجاهلة أنها ستواجه هذه الأزمة فيما بعد وقد أصبحت أخطر من ذي قبل.
العديد من الدول النامية مثقلة بالديون وتعيش على حافة الفقر بسبب سياسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، فبرامج هاتين المؤسستين أصبحت عرضة للنقد الشديد منذ سنوات عديدة باعتبارها سبباً في إفقار البلدان المدينة رغم زعمهما بأن أهدافهما هو تقليص الفقر في العالم. فهذه السياسات تهدف إلى جعل البلدان النامية أكثر اعتماداً على البلدان الغنية في نموها وتدمر خططها التنموية الذاتية.
تقوم هاتان المؤسستان بمنح القروض للدول التي تحتاج لمساعدات مالية بشروط قاسية تفرض على الدولة المدينة إجراء تغيير كبير في السياسة الاقتصادية يجعلها في وضع تصادمي مع مواطنيها الذين يسلب الكثير مما يحظون به. فهيكلة الاقتصاد وجعله منسجماً مع آيديولوجية الاقتصاد الحر شرط من شروط هاتين المؤسستين. من مستلزمات ذلك:
1- تحرير الاقتصاد وجعله ذا قدرات تصديرية.
2- فتح الأسواق الداخلية أمام البضائع الأجنبية.
3- تقليص دور الدولة في رسم السياسات الاقتصادية.
4- تشجيع عملية الخصخصة وتقليص إجراءات حماية الصناعة المحلية.
5- إلغاء الدعم الحكومي للمواد الغذائية والوقود والتعليم العالي.
6- انتهاج سياسات تصحيحية تشمل إعادة تقييم العملة وزيادة المرونة في سوق العمل.
7- العمل على أن يكون البلد جذاباً أمام المستثمرين الأجانب من حيث لوائحه ومعاييره والخدمات المتوافرة فيه.
وإجراءات كهذه قد تكون مدمرة للبلدان الفقيرة، فرفع الدعم الذي تقدمه الدولة في المجالات التي تمس مصلحة المواطن المباشرة تزيد من معاناة شعبها وتربط مستقبل الدولة بما ترسمه هاتان المؤسستان وتجعلها معتمدة بمستوى أكبر على الدول المتقدمة.
اضطرت العديد من الدول النامية إلى السير في طريق الاستدانة مدفوعة برغبتها في تنفيذ خططها التنموية إلا
أن نتيجة ذلك كانت محبطة في حالات عديدة، فهي لم تتمكن من تنفيذ هذه الخطط لأسباب وعلل كثيرة ومتنوعة تنتاب الدول النامية، لا مجال لذكرها في هذا السياق، وأصبحت غير قادرة على سداد هذه الديون أو فوائدها. لذا لم يكن أمامها سوى اللجوء إلى إعادة جدولة ديونها بشروط جديدة أكثر تكبيلاً من الشروط السابقة أو اللجوء إلى المزيد من الاستدانة وتقديم التنازلات تلو التنازلات لترهن في النهاية سيادتها لدى المرابين، وتصبح هذه الديون في نهاية المطاف حجر عثرة أمام النهوض والتنمية وربما تتجاوز خطورتها لما هو أبعد من ذلك.
وتواجه الدول النامية، غير النفطية، والتي انخرطت في السوق العالمي قبل أن يصبح اقتصادها أو مجتمعها في
حالة استقرار وجاهزية، الكثير من العقبات والتداعيات الاقتصادية بسبب ديونها الخارجية، أبرزها زيادة العجز المالي في ميزانية مدفوعاتها وتدني قيمة عملتها المحلية وتفاقم أزماتها الداخلية وتراخي قبضتها. والحقيقة أن ظاهرة الديون الخارجية أصبحت ظاهرة خطيرة لأنها تحولت إلى ظاهرة مزمنة على مستوى واسع خاصة في دول أميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا. فوفق تقارير رسمية صادرة عن منظمات دولية كالبنك الدولي يزداد حجم الدين لدى بعض الدول بمعدلات مرتفعة تفوق معدلات الزيادة في إنتاجها الوطني العام ومعدلات الزيادة في صادراتها.
ويترتب على الدولة المدينة زيادة الصادرات من مواردها الطبيعية للحصول على ما يكفي من الأموال لسداد
ديونها أو فوائد هذه الديون في الموعد المقرر، وتضطر من أجل ذلك إلى الدخول في حرب أسعار للتنافس مع مُصدرين آخرين للحصول على موقع في أسواق التصدير الآخذة بالانكماش. عندها تصبح الموارد المصدرة أكثر رخصاً في الأسواق العالمية وهو ما يسعد المستهلك في الدول الغنية.
ومع مرور الزمن تتراجع قيمة العملة لدى الدولة المدينة وتصبح السيولة المالية أكثر عرضة للأخطار وتبدأ دوامة الانحدار نحو الهاوية، وعادة ما يصاحب ذلك هيجان مجتمعي يهز أركان الدولة وقد يقوضها.