من المقرر أن يترأس الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف اجتماع مجلس حقوق الإنسان في الكريملين بتشكيله الجديد، ونذكر هنا أنه عندما صدر قرار الرئيس ميدفيديف بتشكيل مجلس لحقوق الإنسان تحت رئاسته تلقى البعض في روسيا الخبر بدهشة وتساؤلات كثيرة، حيث أن مصطلح «حقوق الإنسان» في روسيا يتعامل معه البعض على أنه أداة من أدوات الحرب الباردة السابقة التي كانت تستخدمها واشنطن والغرب دائما ضد روسيا والاتحاد السوفييتي، ومازال يشهر هذا السلاح ضد روسيا حتى الآن، ولا يمر أسبوعا واحدا حتى نسمع من الغرب، وخاصة من واشنطن ولندن، استنكارا على خرق روسيا لحقوق الإنسان نتيجة تعامل السلطات أو القضاء الروسي مع بعض الحالات، ومنها في الأسبوع الماضي حادث إلقاء القبض على المعارض الروسي «بوريس نيمتسوف» الذي اعتدى على الشرطة الروسية وسبها بألفاظ نابية عندما منعته من التظاهر في شوارع موسكو بدون الحصول على إذن من السلطات.
وتقرر حبس نيمتسوف خمسة عشرة يوما، واستنكرت واشنطن ولندن حبس نيمتسوف واعتبرته خرقا لحقوق الإنسان، هذا على الرغم من أن الأمن في نفس اليوم ألقى القبض على شخصيات أخرى بنفس الاتهام مثل زعيم حزب المعارضة القومية البلشفية الروسي ادوارد ليمونوف وتقرر حبسه أيضا خمسة عشر يوما مثل نيمتسوف، ولكن واشنطن ولندن لم يعترضا على حبس ليمونوف، ربما لأنه معارض شيوعي ليس له « حقوق إنسان» مثل نيمتسوف الشاب الديمقراطي الذي صعد فجأة إلى قمة هرم السلطة في عهد الرئيس الراحل يلتسين ولم يكن عمره قد تجاوز الثلاثين بعد، وقبل ذلك بأيام قليلة كانت محاكمة رجل الأعمال الملياردير الروسي ميخائيل خودركوفسكي المتهم بالفساد والتهرب من الضرائب، وقامت الدنيا ولم تقعد في واشنطن ولندن على أعلى المستويات الرسمية تستنكر المحاكمة وتعتبرها خرقا لحقوق الإنسان في روسيا، وخودركوفسكي أيضا من النخبة التي صعدت في عهد يلتسين وسطت على ثروات روسيا، ولهذا يدافعون عنهم في الغرب، هذا في الوقت الذي يحال فيه الكثيرون من كبار المسؤولين في روسيا للتحقيق والمحاكمة، ولا يعتبرونه في الغرب خرقا لحقوق الإنسان.
هناك الآن من يحاول اللعب بورقة حقوق الإنسان مستغلا التناقض الواضح بين الرئيس ميدفيديف ورئيس الوزراء بوتين في هذا المجال، هذا التناقض الذي بدا في التعامل في قضية خودركوفسكي حيث اعتبره بوتين في تصريحاته قبل صدور الحكم عليه «لصا يستحق السجن»، بينما اعتبره ميدفيديف «متهما بريئا حتى تثبت إدانته»، على الرغم من أن بوتين خفف من حدة تصريحه قائلا أنه يقصد القضية السابقة المحكوم على خودركوفسكي فيها عام 2005 بالسجن ثمانية أعوام، بينما ميدفيديف يقصد القضية الأخيرة المنظورة أمام المحكمة ولم يكن الحكم فيها بالسجن أربعة عشر عاما قد صدر بعد، ولهذا لم يرى البعض تناقضا بين الاثنين.
لكن هناك تناقضا أخر أكثر وضوحا بين ميدفيديف وبوتين، وهو الأمر الذي من أجله أسس ميدفيديف «مجلس حقوق الإنسان» برئاسته، هذا التناقض يتعلق بقضايا خرق حقوق الإنسان في العهد السوفييتي، وخاصة في الحقبة الستالينية، ففي الوقت الذي ينظر فيه رئيس الوزراء بوتين إلى ستالين على أنه بطل قومي ومؤسس للدولة العظمى، ويأمر بدرج اسم وسيرة ستالين في الكتب المدرسية على هذا الأساس، نجد الرئيس الشاب ميدفيديف، الذي انهار الاتحاد السوفييتي وهو بعده فتى في سن المراهقة، وتكونت شخصيته وأفكاره في ظل روسيا الحديثة المنفتحة على العالم كله، يتعامل مع ستالين على أنه حاكم ديكتاتوري مستبد ارتكب الكثير من الجرائم في حق الشعب الروسي وشعوب البلدان الأخرى، وقد صرح ميدفيديف بذلك أكثر من مرة، آخرها منذ أيام أثناء زيارته لبولندا في ديسمبر الماضي عندما دار الحديث مع البولنيين حول مذبحة «كاتين» التي قتل فيها المئات من البولنديين أثناء الحرب العالمية الثانية، والتي كان يعتقد البعض أن هتلر هو الذي ارتكبها، فوجئ الجميع بالرئيس ميدفيديف يقول «إن من ارتكب تلك الجريمة معروف، وهو ستالين وأعوانه»، موضحا أنه استقى المعلومات التي تثبت مسؤولية ستالين مما يسمى بـ«الملف الخاص»، وأكد ميدفيديف في الوقت نفسه أن هناك «محاولات لوضع هذه الوثائق موضع شك»، مشيرا إلى أن هذه المحاولات يبذلها «من يحاولون تبييض طبيعة النظام الذي أنشأه ستالين في بلدنا»، وقال ميدفيديف إن «مهمتنا تبصير الشعب الروسي بهذه الحقائق».
هذه المواقف من جانب الرئيس ميدفيديف وضعت مجلس حقوق الإنسان الذي يرأسه موضع الشك من جانب البعض، وخاصة من المقربين من رئيس الوزراء بوتين، واتضح هذا في تصريح الناطق الرسمي باسم الحكومة دميتري بيسكوف عن قلق الحكومة الروسية التي يترأسها فلاديمير بوتين من المشروع الذي أعده مجلس حقوق الإنسان التابع للرئاسة الأولى، قائلا إن محو أو تحريف تاريخ البلاد لا يجوز.
من هذا المنطلق يعتقد البعض أن مجلس حقوق الإنسان التابع للكريملين سيكون أداة رئيسية للحملات الانتخابية القادمة على منصب الرئاسة في عام 2012، وإن كان البعض الآخر يعتقد أنه ليس هناك تناقض، بل هي الخطة الذكية لبوتين في حصر المنافسة على الرئاسة بين اثنين فقط، وصنع التناقضات في الرأي بينهما الهدف منه جذب كافة الاتجاهات في روسيا للالتفاف حول هذين الاثنين دون غيرهما.