في الثمانينات علمتني التجربة أول دروسي في الصحافة.. من بين دروس عدة، كان درس مسؤولية النشر وعدم الوقوع في غرام المصادر أهمها. وأيضاً، الدرس المنسي في الصحافة (العربية بالذات): التاريخ.

وفي الثمانينات أيضاً، كنا نقرأ تلك المواد الصحافية التي لم تتوقف عن خطط تعدها مطابخ سرية، لتفتيت البلدان العربية وإغراقها في حروب أهلية. فمنذ حرب أكتوبر ‬1973 والحظر النفطي الذي قامت به الدول العربية المنتجة للنفط، لمساندة الجهد العسكري المصري والسوري، بدأ ذلك النوع من الدراسات والتسريبات يظهر في الصحافة الغربية عموماً، لتتلقفه الصحافة العربية.

لقد راجت منذ ذلك الحين عناوين رئيسية، لخطط ونصائح سرية بتفتيت البلدان العربية وإغراقها في الحروب الأهلية كوسيلة لإضعافها، لا أمام إسرائيل فحسب، بل لحماية منابع النفط. ولنتذكر أن ما بات يعرف اليوم بالقيادة المركزية الأميركية، ليست إلا النسخة المطورة لمشروع بدأ في السبعينات بإنشاء قوة التدخل السريع، مباشرة بعد حرب أكتوبر والحظر النفطي.

الآن، وبعد أكثر من ثلاثين عاماً، تلح الثمانينات على ذهني بقوة وأنا أتابع، مثل ملايين غيري من العرب، كيف أن بلداناً عربية عديدة أصبحت على شفا الاحتراب الأهلي أو تُدفع إليه دفعاً.

لبنان وحربه الأهلية المتجددة! قد تقولون إن هذا ليس بجديد، لكنه في صميم دائرة الحروب الأهلية المرشحة للاشتعال من جديد، أي ذلك الفعل القدري الذي يراد أن يكون هو مصير لبنان دوماً. العراق، يتم دفعه إلى طور سافر من الاحتراب الأهلي، بعد الطور الأول غداة الاحتلال الأميركي. طور الاقتتال السني/ الشيعي الذي تم احتواؤه في حدود، لكنه كامن ويغذيه غباء طبقة سياسية بأكملها، تفتقد الإحساس بالتاريخ وبعد النظر. الآن، دخل مشروع الاحتراب الأهلي في العراق طوراً جديداً، عبر استهداف المسيحيين العراقيين، فهناك إلحاح شديد على إشعال حرب أهلية في العراق. أما في مصر، فإن الصدامات القديمة بين المسيحيين والمسلمين منذ الثمانينات، تبدو اليوم مثل مشاجرات الأحياء، مع طور نوعي من محاولات إشعال الحرب الأهلية في مصر، عبر استهداف المسيحيين بالطريقة التي غدت ماركة عالمية: بصمات القاعدة، تنظيم على صلة بالقاعدة..

ما بين محاولات سافرة لإشعال حرب دينية عربية في مصر والعراق، ومحاولات تجديد دورة الاحتراب الأهلي في لبنان، استوقفني ما قامت به «قناة الجزيرة»، قبل أيام، من نشر ما أسمته وثائق سرية للسلطة الفلسطينية، فحواها أن السلطة قدمت تنازلات في المفاوضات مع إسرائيل حول القدس واللاجئين.

استوقفني التوقيت، فهي تنشر بعد قليل من بدء تحول مهم على الصعيد الدولي، مع توالي اعتراف عدد من دول أميركا الجنوبية بدولة فلسطينية على حدود ‬1967. التحرك الذي أصبح في طريقه لأن يتجاوز الرمزية السياسية، إلى رصيد مهم من الضغط الدولي على إسرائيل، مع تقارير تتحدث عن استعداد فرنسا وبعض دول الاتحاد الأوروبي للقيام بخطوة مماثلة.

وفي مطلع يناير، نشر موقع ويكيليكس وثيقة منسوبة إلى رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتانياهو، يقول فيها خلال اجتماع مع قادة يهود في الولايات المتحدة، إن «أبومازن هو أخطر زعيم عربي واجهته إسرائيل عبر تاريخها الطويل»، مضيفاً «إن عباس يدمر صورة إسرائيل في عدة محافل دولية.. فيما يبنى دولته («فلسطين») على الجبهة الداخلية عبر رئيس وزرائه سلام فياض».

ومضى هذا الأهوج أكثر، قائلاً «لقد حاولنا استخدام حركة حماس ضد عباس ولم ننجح، وحاولنا استخدام بعض رجال حركة فتح ضده ولم ننجح.. بل إنه كسب مزيداً من الشعبية.. لذلك يجب أن نتخلص من هذا الرجل، ونريد مساعدتكم لإضعافه داخل الدوائر السياسية الأميركية المهمة».

التوقيت فحسب، هو ما دق الجرس في ذهني.. لماذا الآن؟ وإذ أتساءل، أعادني سؤالي إلى الثمانينات، إلى درس مسؤولية النشر وعدم الوقوع في غرام المصدر ذاك. فالنتيجة المباشرة، أياً كانت البلاغة في وصف «حرية التعبير»، هي أن حالة الاحتراب تعود لتخيم على الفلسطينيين، لأن ماكينة الأحكام الجاهزة المريحة للذهن عادت للعمل. فنحن من جديد أمام تلك الثنائية التي أنهكت الفلسطينيين ودفعتهم إلى حضيض لحظة الضعف الأكبر في تاريخهم، التي توجت بما جرى في غزة عام ,‬2007. ثنائية «السلطة المتواطئة وحماس المقاتلة».

عشية الاعتداء الوحشي على كنيسة القديسين في الإسكندرية، كنت قد تساءلت في هذا المكان (‬4 يناير ‬2011)، عمن يريد إشعال حرب دينية عربية؟ ها إن السؤال يتكرر بشكل لا إرادي: من له مصلحة في توتير الوضع الفلسطيني ليضاف إلى قائمة الأوضاع المشتعلة في غير بلد عربي؟

هنا يلح درس المسؤولية وعدم الوقوع في غرام المصدر. وليعذرني زملائي الكرام في قناة «الجزيرة»، إن كنت قد تساءلت بيني وبين نفسي عمن أوصل الوثائق لها، لأن درس عدم الوقوع في غرام المصدر يحكم تفكيري. فما تعلمناه هو أنه ما من مصدر يوصل إليك متطوعاً معلومة ما، إلا ويكون لديه دافع من نوع ما. وتبقى مسؤوليتنا هي أن نتأكد من هذا الدافع.

مع مشهد الاحتراب الأهلي هذا الذي يخيم في غير بلد عربي، أجد ما يدفعني مجدداً إلى الثمانينات، إلى تلك الطروحات حول التفتيت وإغراق العرب في حروب أهلية، فأتذكر كيف أن ذاكرتنا قصيرة، بل مثقوبة بشكل مخيف. سيلقى هذا المقال ردود فعل معتادة، غاضبة وقليل منها سيخوض جدلاً يغري بالحوار. بل سيأتي من يذكرني بأنني مسكون بنظرية المؤامرة. لهؤلاء جميعاً نصيحة صغيرة، بأن يقرأوا كتاباً واحداً هو ذاك الذي كتبه عميل الموساد السابق فيكتور أوستروفسكي «الموساد من الداخل»، وتحديداً ذلك الجزء الذي يتحدث فيه عن مطبخ الإشاعات في الموساد، ضمن دائرة أو قسم الحرب النفسية. ثمة هدف واحد للحرب النفسية التي تخوضها إسرائيل ضد الفلسطينيين والعرب منذ أن وجدت: تكريس الشعور لدى الفلسطينيين بأنهم شعب مهزوم.. أما «ثنائية السلطة المتواطئة وحماس المقاتلة»، فهي إحدى تنويعات ووسائل ذلك الهدف.