تعتبر إقامة دولة فلسطينية أمراً جوهرياً في السياسة الخارجية الغربية، خلال العشرين عاماً الماضية. فبالنسبة للبعض، عزز الانهيار الواضح لــ «عملية السلام» شعور الفجيعة، بالدرجة نفسها تقريباً من نهاية الحضارة. كان إعلان دولة فلسطينية، بالنسبة للكثيرين، لافتاً للضمير، وهي مسألة تندرج ضمن العدالة الإنسانية. وكان ينظر إليها أيضاً، كعلاج أساسي لأمراض أوسع نطاقاً في منطقة الشرق الأوسط. ويبدو أن أنفاسها الأخيرة تقود المنطقة بشكل أقرب إلى حافة الهاوية.

المفارقة في الأمر تكمن في أن هذا الانهيار لعملية السلام، ربما يكون أمراً طيباً، ذلك أنه يضع نهاية للتصور الخيالي بأن الدولة الفلسطينية سوف تنشأ من أفضل النوايا الغربية، بدلاً من أن تنشأ من الوقائع السياسية لمنطقة الشرق الأوسط نفسها. لقد بدأ المسعى نحو إقامة الدولة الفلسطينية، منذ أن حددها مؤتمر مدريد عام ‬1991 هدفاً بعد حرب الخليج الأولى. لكن المعاني تتحول بمرور الوقت، وأصبحت الأفكار جوفاء مثل المحار الذي ذبلت الكائنات الحية في داخله منذ فترة طويلة.

«قيام دولة» لم يعد يحمل المعنى الذي كان يهدف إليه من قبل، فهو ينطوي على مفهوم معاكس الآن، وهو أن الدولة لم تعد تعني الحكم الذاتي والاستقلال، ولكن «احتلال مخفف» وهو استراتيجية إدارة السيطرة والاحتواء. وربما تعيش النخبة الفلسطينية الجديدة في إطار هذا المفهوم بشكل أكثر ارتياحاً، وإن كان ذلك وسط فقر عام مستمر.

ربما يكون قد تم إخفاء الأدوات المرئية للاحتلال والتحكم في حياة الفلسطينيين، عن الأعين المجردة بشكل أفضل، بل تتم إدارتها عن بعد من خلال التكنولوجيا الجديدة. فمثل هذه «الدولة» لا تزال احتلالاً رغم ذلك، في ظل وجود أمنها الداخلي الفلسطيني والحدود والأجواء والمياه والاقتصاد، وحتى مجالها «الكهرومغناطيسي»، تحت السيطرة الأمنية غير القابلة للتحدي من إسرائيل. سوف تترك قضايا القدس واللاجئين، وحتى وضع وادي الأردن، معلّقة إلى أجل غير مسمى. بطريقة ما، لا تعد هذه النتيجة أمراً مستغرباً بعد عقدين من الزمان، فقد غرست منذ لبداية من خلال الإذعان الغربي لفكرة إسرائيل الاستثنائية في حق تقرير المصير، التي بموجبها حصرت الضرورات الأمنية الإسرائيلية الحيز الذي يتعين على الفلسطينيين من خلاله إيجاد «حل».

توفر نهاية عملية السلام لحظة نادرة من وضوح صارخ في الوقت الذي يسقط الستار، بما يكشف عن الخيال الكامن وراء سرد قصة الدولتين. والحقيقة هي أن فكرة «دولة» لم يكن أمراً مطروحاً أبداً، فالكثيرون في إسرائيل لم يكونوا مرتاحين حيال مفهوم دولة الأغلبية اليهودية، لأن هذا من شأنه أن يضفي على الأقلية مساواة في الحقوق. كانت الأيديولوجية الصهيونية دائماً، باعتبارها نظاماً للحقوق التفضيلية لليهود وغير اليهود، بطبيعتها محل صراع مع فكرة وجود أغلبية يهودية. كان حل الدولتين سوف يضفي طابعاً رسمياً لإسرائيل غير الصهيونية، باعتبارها «دولة الأغلبية اليهودية»، في مقابل قيام دولة فلسطينية. فالاعتراف بأن حل الدولتين لم يعد مطروحاً، يفتح الطريق أمام تصور المسارات الأخرى التي لا تعتمد على الوساطة الغربية. يذكرني الوضع في الشرق الأوسط اليوم، في بعض جوانبه، بتجربتي منذ ثلاثين عاماً في إفريقيا. في ذلك الوقت، قادت لحظة من «الوضوح» الأزمة إلى عملية سلام أخرى في جنوب غرب إفريقيا/ ناميبيا. فقد استغرق الأمر عقداً آخر لكي تصبح ناميبيا أخيراً دولة مستقلة. فما جعل محاولة إقامة دولة هناك تفشل في البداية، ثم بعد ذلك تكلل بالنجاح، ينطوي على الكثير من الدروس بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط في السنوات المقبلة. في منطقة الشرق الأوسط اليوم، هناك استقطاب صارم آخر اتسم به الجميع، سواء «المؤيدين للسلام» أو «المعارضين»، وهو الذوبان السريع. فالعداء الإسرائيلي المتزايد بشأن المستوطنات وغيرها من القضايا، وسّع الفجوة مع بقية الدول في المنطقة. وباختصار؛ هناك ديناميكية وسلاسة جديدتان في المنطقة، ليس للغرب دور المشارك فيهما. فأميركا ليست «غائبة» كلياً، ولكنها ليست «حاضرة» تماماً.

تقول تقارير إن رئيس جهاز الموساد الجديد «تامر باردو»، صرح بالقول: «إن إسرائيل تريد أن تلعب دوراً رئيسياً في مساعدة الغرب للفوز بالحرب الباردة الجديدة مع المتطرفين في المنطقة. وبحسب وصف اللورد بلفور، عند إعلان قيام دولة إسرائيل: لطالما رغبت إسرائيل، بطبيعة الحال، أن تكون جيباً للغرب، و«النور» للثقافة الغربية الوليدة من جديد إلى دول المنطقة».

ولكن، هل ستخدم «استراتيجية الحرب الباردة» الغرب، أم أنها فقط سوف تفضي إلى مزيد من العزلة وتناقص دور إسرائيل وأميركا في الشرق الأوسط «الناشئ الجديد»؟ لم تعد إسرائيل قادرة على التحرك عسكرياً دون الإفلات من العقاب المطلق. وبدلاً من أن تكون مركزاً لتعزيز المصالح الغربية، فإنها أصبحت مصدراً لعدم الاستقرار، وبالتالي للمسؤولية، بالقدر نفسه الذي يتعين على الغرب أن يوجه اهتمامه الكامل لإصلاح اقتصاده، ومواجهة التحول في القوة على يد الصين الصاعدة.

دبلوماسي بريطاني وخبير أمني سابق