تحول محمد البوعزيزي إلى رمز للثورة التونسية، بل تحول إلى ظاهرة ذات أمواج عالية، امتدت بعيداً عن حدود تونس الخضراء ومنطقة سيدي أبو زيد، بؤرتها. والظاهرة هي كل ضرب من الفكر والسلوك يعم المجتمع، كما يقرر أحد رواد علم الاجتماع وهو إميل دوركايم، والذي يعطيها خاصيتين؛ أولاهما العمومية، والثانية الجبر والقسر. فهذا السلوك أصبح مقبولاً بدليل شيوعه في أكثر من قطر عربي، تماثل في أوضاعه تلك الأوضاع التي دفعت البوعزيزي إلى اليأس المطبق، وبالتالي إلى لجوئه إلى أصعب الخيارات وأمرها، وهو الانتحار حرقاً. أما خاصية الجبر والقسر التي تمتلكها الظاهرة، فهي أنها باتت تغري أولئك الذين يعيشون في ظروف البوعزيزي، ليكرروا تضحيته لعلها تكون محركاً للمياه الراكدة، وفرجاً ينتظره الكثيرون، وشرارة تكسر حاجز الخوف.

ها هو البوعزيزي قد رأى كل الأبواب تغلق في وجهه وتظلم الدنيا أمام عينيه، وهو في ريعان شبابه وكامل قدرته على البذل والعطاء، رغم شهادة الهندسة التي يحملها، ورغم أنه ارتضى أن يمتهن الحرفة الشريفة المتاحة له، كي يعيل نفسه وعائلته ويعيش من كد يده ومن عرق جبينه، حراً لا يسأل الناس إحساناً. لكن أنى له أن يعيش كريماً يرتزق من مهنته البسيطة التي ساقه سوء الأوضاع إليها، فعيون السلطة وقوانينها التي تسري على الفقراء والبؤساء فقط، حالت دون ذلك! وهؤلاء، كما نقول في الخليج العربي، «لا يرحمون ولا يخلون رحمة الله تنزل». فهم لا يوفرون الرزق الحلال لجمهور شعبهم، ولا يتركون هذا الشعب في حال سبيله ليتدبر لقمة العيش بطريقته!

إن البوعزيزي هذا أشعل ثورة فريدة، ما زالت فصولها تتوالى أمام ناظرينا ونحن نشاهد أحداثها في الفضائيات المختلفة. ولعل هذه الثورة ستكون نموذجاً لثورات قادمة، في بلدان تعيش نفس ظروف «تونس». فهي ثورة لم يصنعها الثوريون المحترفون، الذين أمضى الكثير منهم شطراً كبيراً من حياتهم في سجون النظام السابق، أو الذين هاجروا واستقروا في المنافي البعيدة. بل صنعتها وحركتها جماهير العاطلين عن العمل في مرحلتها الأولى، ليأتي الثوريون المحترفون من مختلف القوى السياسية ليقودوها بعد رحيل رأس النظام، وهو الرئيس زين العابدين بن علي.

وهنا جانب الفرادة والتميز فيها. فمن المعروف أن الثورات السلمية (وتلك التي تستخدم الكفاح المسلح بالطبع) التي تطيح برؤساء و«أنظمة»، لا يمكن أن تأتي بفعل نشاط عفوي، بل هي نتاج تخطيط ونشاط منظم، واستفادة من ظروف مواتية للتحرك الجماهيري، ووجود شعارات محددة تعكس التوجهات الفكرية، وظهور «قائد» يلتف الشعب حوله، وغيرها من تقنيات ومتطلبات الفعل الجماعي. وهي عادة ما تنطلق من العواصم المكتظة والمراكز الملأى بالبشر.

أما الثورة البوعزيزية فقد بدأت بالعاطلين عن العمل، ومن سيدي بوعزيز البعيدة عن العاصمة، ولم ترفع شعارات غير طلب العمل والخبز، وهي شعارات «مطلبية» لا يشتم منها توجه سياسي. ولم يحمل المتظاهرون صوراً لزعماء أو قادة، ولم يستمعوا إلى تحريض أحد. ومن اللافت في أيامها الأخيرة، اشتراك المرأة فيها، بعد أن توسع نطاقها وانتقلت إلى العاصمة.

ويمكن القول بناء على ذلك، ان هذه الثورة قد أخذت أحزاب المعارضة وقواها السياسية على حين غرة، فلا أحد منها كان يدعي أن «الثورة على الأبواب» قبل حادثة البوعزيزي. ويبدو أن نظام بن علي وأجهزته القمعية، كانت استطاعت إسكات صوت المعارضة والقضاء على تنظيماتها في الداخل التونسي، خاصة التنظيمات الإسلامية، وأبرزها «حركة النهضة» برئاسة راشد الغنوشي، بحيث أن هذه التنظيمات كانت على هامش الأحداث، في البداية على الأقل.

غير أن هؤلاء العاطلين الذين كانوا طلائع المتظاهرين ومفجري التظاهرات، لم يكونوا من العاطلين العاديين، أقصد من العمال غير المهرة، بل كانوا من «خريجي الجامعات والمعاهد العلمية وحملة شهاداتها»، وهم من الذين ضاقت بهم الأرض بما رحبت، ومن الذين كثيراً ما ركبوا البحر ليصلوا إلى شواطئ أوروبا للبحث عن حياة كريمة، أو من الذين ملوا وهم يبحثون عن فرصة عمل، بعد سنوات الدرس الطويلة التي أكلت الأخضر واليابس من ميزانيات عائلاتهم ومعيليهم.

لا عجب إذن، أن تكون هذه الثورة ثورة «تقنية» بامتياز، حيث استخدم فيها هؤلاء العاطلون المتعلمون أحدث وسائل التواصل، بما تحمله من أخبار وصور مرئية وناطقة وأفلام ورسائل، وكلها كان يزيد اللهيب اشتعالاً. ثم إن هذه التقنيات الحديثة لــ«الفيس بوك» و«اليوتيوب»، فضلاً عن الهواتف الجوالة وغيرها، جعلت من الدعوة إلى التجمع والتّحشد أمراً في غاية السهولة. وهذه التقنيات الحديثة أيضاً، جعلت التواصل بين البؤر المعزولة وبين الفضائيات أمراً ميسوراً، إذ أتاحت للفضائيات استقاء الأخبار من أماكن عديدة لا يوجد لها فيها مراسلون رسميون.

وربما في هذه النقطة بالذات أفصحت «العولمة» عن وجهها الإيجابي، فهي لم تعد تمدداً للسوق الرأسمالية على النطاق العالمي فحسب، وإنما من الوجه الآخر، ترابطاً وتواصلاً بين الشعوب وانفتاحاً، بكل ما يعنيه ذلك من تداعيات، كتلك التداعيات التي كان محركها محمد البوعزيزي وأبطالها الشعب التونسي.