لا أظن أن بإمكاني مع مرور الوقت، أن أنسى مشهد المتحدث باسم الحكومة البريطانية على شاشات الفضائيات، يوم اندلاع ثورة أهلنا في تونس. ففي ذلك اليوم، شاهدت الرجل في يوم واحد ثلاث مرات، تفصل بين الواحدة والأخرى ساعات قليلة أو أقل. وفي كل مرة، سئل فيها عن موقف حكومته مما يجري في تونس، كان يصر رغم إلحاح الإعلاميين، على جملة واحدة كان يقولها وعلى وجهه علامات جمود لا تخطئها العين، مؤداها أن الحكومة البريطانية تدرس ما يحدث على نحو معمق، وأنها سوف تعلن موقفها حين تنتهي من دراستها. كان ذلك بعد رحيل بن علي مباشرة، وقبل أن تتضح الصورة. ففي تلك اللحظات الحاسمة، لم ينطق الرجل أبدا بكلمة واحدة من كلام بلاده الدائم عن الديمقراطية والحريات.

ومشهد المتحدث باسم الحكومة البريطانية، هو مجرد واحدة من تجليات الموقف الغربي من قضية الديمقراطية. فهو موقف صارت له هذه المرة حالة عربية معاصرة، لا يمكن معها أن يظل البعض في عالمنا العربي ينكرها، ويستمر في الرهان على الغرب لتحقيق الديمقراطية في بلادنا. فتلك أسطورة صنعتها الحكومات الغربية، وصدقها البعض عندنا، إما من باب السذاجة السياسية أو من باب المصالح الخاصة.

فالغرب الذي صدع رؤوسنا بالحديث عن الديمقراطية في عالمنا العربي، هو نفسه الذي أدار ظهره لها في تونس حتى اضطر اضطرارا للاعتراف بها. والغرب الذي لم يكف عن الترويج لأفكار تتهم الثقافة الإسلامية بأنها معادية للديمقراطية، وتعتبر شعوبنا ليست مستعدة للحرية بسببها، اتضح أنه هو الذي ليس مستعدا لظهور الديمقراطية في بلادنا. وكانت نتيجة الامتحان التونسي لكل الحكومات الغربية «لم ينجح أحد». وهو أمر متوقع، ولكنه جدير بالتسجيل حتى لا ينساه كل من يهمه الأمر في عالمنا العربي.

وقصة النظام التونسي مع الدعم الغربي تستحق أن تروى، لأن فيها من الدروس ما يستحق الإشارة. فنظام ابن علي كان طوال قمعه الشرس للشعب التونسي، يحظى بدعم غربي قوي وواسع النطاق. فهو، أولا، كان ينفذ الروشتة البائسة لصندوق النقد الدولي بحذافيرها، والتي كانت تعني تطورا في المؤشرات العبثية للتحسن الاقتصادي التي يتبناها الصندوق، ولكن يصاحبها ازدياد في الفجوة بين الفقراء والأغنياء، وارتفاع نسبة البطالة والفقر. وتنفيذ روشتة الصندوق منح بن علي دعما وثناء غربيا بلاحدود، حتى أن بلاده وصفت «بالمعجزة التونسية».

ونظام بن علي استخدم، ثانيا، منذ وصوله للحكم، ما سمي بسياسة «تجفيف الينابيع»، والتي لم تهدف فقط لاستئصال التيار الإسلامي، وإنما استهدفت التدين ذاته. وهي سياسة رغم ما انطوت عليه من قمع، إلا أنها حظيت باستحسان غربي، بل ودعم لتلك السياسة عبر تضييق الخناق على المعارضين السياسيين التونسيين في الخارج، وتقييد حركتهم وتنقلهم من بلد أجنبي لآخر.

وقد لعب نظام ابن علي، ثالثا، دور شرطي المرور القوي الذي يساعد الغرب في منع الهجرة من جنوب المتوسط إلى شماله. وفضلا عن كل تلك الخدمات، فقد عمل نظام ابن علي بشكل وثيق مع أجهزة الأمن والاستخبارات الغربية، خصوصا بعد أحداث سبتمبر، فمثل إحدى أهم حلقات ذلك التعاون، في إطار شبكة واسعة تضم إفريقيا ووسط آسيا والشرق الأوسط.

لهذا كله، كان الدعم الغربي بلاحدود، وأدارت الحكومات الغربية ظهرها للشعب التونسي، وابتلعت ألسنتها بشأن الديمقراطية وحقوق الإنسان. حتى حين بدأت ملامح الثورة التونسية تلوح في الأفق، كانت تلك الحكومات الغربية على استعداد لدعم النظام ضد شعبه في السر. فالكونغرس الأميركي كان منشغلا وقتها باعتماد ‬12 مليون دولار لدعم الأمن التونسي، بينما وافق مجلس الوزراء الفرنسي على إرسال قوات أمن فرنسية لدعم نظام بن علي، بل وتدريب قواته «على القمع دون قتل»، أي والله!

ولكن ما إن أدركت تلك الحكومات أن نظام بن علي ينهار فعلا، حتى سحبت دعمها بالمطلق، فرفضت فرنسا استقبال حليفها القوي على أراضيها لاجئا، وبدأت الحكومات الغربية الواحدة بعد الأخرى تعلن تمجيدها لشعب تونس العظيم!

وتحمل تلك الأحداث دروسا لكل من يهمه الأمر. فالعلاقات الدولية تقوم على المصالح، ولا شيء غيرها. والحكومات الغربية ليست جمعيات خيرية توزع العطايا على المحتاجين، فهي جاءت للحكم بشكل ديمقراطي في بلادها لخدمة مصالح شعوبها، لا مصالح الشعوب الأخرى. ولا عيب في ذلك في حقيقة الأمر، فمصالحنا نحن العرب لن يدافع عنها غيرنا.

والحكومات الغربية لن تغير مواقفها بالمناسبة، بعد أن فضحتها ثورة تونس. فهي ستظل تسعى لحماية مصالحها بأقل تكلفة ممكنة، وبغض النظر عن الثمن الذي يدفعه الآخرون. ولعل ما قالته نائبة مساعد وزيرة الخارجية الأميركية، هو خير دليل على ذلك. فهي بعد أن أثنت على التونسيين ووصفت ثورتهم بأنها «ساحرة»، سعت لأن تحافظ على مصالح بلادها مع حلفائها الباقين في مناصبهم، بالضبط كما كانت تفعل حكومتها مع نظام بن علي حين كان في منصبه. فهي رفضت أن «تستنتج» مما جرى في تونس احتمال تكراره في دول أخرى مجاورة، وقالت إن «لكل دولة ظروفها».

غير أن المفارقة الأهم على الإطلاق في كلام المسؤولة الأميركية، هي أنها كانت في سياق آخر قد قالت إن ما حدث في تونس والسرعة التي انهار بها النظام، مثلا مفاجأة لحكومتها. وهو درس آخر لمن يهمه الأمر، يؤكد على عبثية الرهان على قدرات الغرب الاستخباراتية على معرفة ما يدور في بلادنا، فتلك أسطورة أخرى. فأميركا فوجئت بأحداث تونس، كما فوجئت بالثورة الإيرانية قبل أربعة عقود!