تعود الحياة إلى طبيعتها في إسرائيل والأراضي الفلسطينية، والآن فقد ماتت أحدث جولة من محادثات السلام. يواصل المسلحون في غزة إطلاق الصواريخ على إسرائيل مرة أخرى، مما يدفع الإسرائيليين إلى الاختباء في الملاجئ، وترد إسرائيل بشن غارات جوية. ويواصل الإسرائيليون بناء المستوطنات الجديدة في الضفة الغربية بوتيرة محمومة، فهناك ألفا وحدة سكنية جديدة قيد الإنشاء في الوقت الحالي، و13 ألفا أخرى في قائمة الانتظار، حسبما يقول المستوطنون.
ويستأنف العنف القاتل بين الإسرائيليين والفلسطينيين نشاطه مرة أخرى. ففي وقت سابق من هذا الشهر، سقطت جواهر أبو رحمة (36 عاماً)، بعد استنشاق الغاز المسيل للدموع الذي أطلقته القوات الإسرائيلية. فقد كانت تراقب عشرات الفلسطينيين الذين كانوا يشاركون في الاحتجاجات السلمية الأسبوعية، ضد جدار «الفصل» الإسرائيلي الذي يمر عبر قرية «بلعين» في الضفة الغربية، وتوفيت في المستشفى في صباح اليوم التالي.
ومنذ ذلك الحين، احتدم غضب الفلسطينيين ضد إسرائيل، في حين أن إسرائيل زعمت أنها لم تكن موجودة في الاحتجاج، وبعد ذلك ادعت أن الغاز المسيل للدموع لم يكن السبب في قتلها.
كما هي الحال دائماً، فإن هناك المزيد والمزيد من الخلافات، فلا يزال الفلسطينيون والإسرائيليون ينظرون إلى بعضهم البعض عبر فجوة واسعة، وبسبب اتساع هذه الفجوة لا يستطيعون أن يروا بعضهم البعض أكثر من ذلك. يدعو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الآن، إلى إجراء محادثات مباشرة مع القادة الفلسطينيين، لكن مسؤولين إسرائيليين يقولون أيضاً إنهم يريدون إبطاء أي مفاوضات في المستقبل، والتركيز على المحادثات من أجل المحادثات فقط، دون توقع تحقيق أي تقدم ملموس. وفي الواقع، ومنذ بضعة أيام أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي اليميني المتشدد «أفيغدور ليبرمان»، أن التوصل إلى اتفاق سلام مع الفلسطينيين سيستغرق «ما لا يقل عن عقد من الزمان». وبالنظر إلى كل ذلك، فإن الفلسطينيين لديهم خطة مختلفة. فهم يريدون من الأمم المتحدة أن تمنحهم حق إعلان الدولة المستقلة، ولكن قد لا يفي ذلك بالغرض المطلوب، ويعتبر مضيعة للوقت.
والآن، يطالب الفلسطينيون مجلس الأمن الدولي بإدانة إسرائيل لاستمرارها في بناء المستوطنات على الأراضي المحتلة. فلم تتخذ أي دولة في أي مكان على وجه الأرض، موقفاً لدعم المستوطنات الإسرائيلية. لذا فإن الفوز بالموافقة على هذا القرار لا ينبغي أن يكون صعباً، بل إن الولايات المتحدة يمكن أن تضطر إلى المضي قدماً في إقراره، على الرغم من أنها عادة ما تستخدم حق النقض (الفيتو) ضد القرارات التي تنتقد إسرائيل. ويقول الفلسطينيون إنهم كتبوا القرار بحيث يعكس اللغة التي يستخدمها الرئيس الأميركي أوباما. هذا القرار ليس سوى البداية. فالفلسطينيون لديهم خطة كبرى نتيجة لشعورهم باليأس من أي اتفاق جدي مع الحكومة الإسرائيلية، فهم يريدون من الأمم المتحدة إعلان دولة فلسطينية، وقد بدأت الحملة بالفعل.
قبل بضعة أيام، أعلنت تشيلي منحها الاعتراف الكامل بدولة فلسطين، فكانت بذلك الدولة الثامنة التي تعترف بـ«فلسطين» في الأسابيع الأخيرة، وجميعها من أميركا اللاتينية. أما الدول الأخرى فهي البرازيل وأوروغواي والأرجنتين وبوليفيا والاكوادور وفنزويلا وكوبا. تتباين دوافع الاعتراف لدى كل دولة، فبالنسبة لتشيلي لديها 300 ألف فلسطيني، وبعض الدول الأخرى تريد علاقات أفضل مع العالم العربي. وتريد فنزويلا أن تدفع واشنطن للمضي قدماً في طريق السلام.
ولكن إذا كان الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدفع الأمور بقوة، فلا بد أنه يجد صعوبة في كسب تأييد عشرات الدول الأخرى. ويحظى الفلسطينيون بكثير من المتعاطفين من مختلف أنحاء العالم، ويبدو معظمهم أنهم يغفلون التجاوزات الكثيرة لهم.
وفي الوقت الذي تمضي هذه الخطة قدماً، وبرغم ذلك، يبدو أن الفلسطينيين يغفلون عن شيء مهم. لقد حاولوا هذا التكتيك من قبل، ولم يأت بفائدة مجدية. لا شيء على الإطلاق.
قبل ثلاثة وعشرين عاماً مضت، طلب الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات من منظمة الأمم المتحدة إعلان الدولة الفلسطينية، تماما كما يفعل عباس الآن. وصوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي تضم جميع الدول الأعضاء، بالإجماع تقريبا لتسمية الضفة الغربية وقطاع غزة بـ«فلسطين». ولم يكن هناك سوى الولايات المتحدة وإسرائيل اللتين صوتتا ضد الخطوة. وامتنعت ست وثلاثون دولة عن التصويت.