«القهر لا الفقر»، بهاتين الكلمتين لخصت «منوبية مصباح» والدة الشاب التونسي محمد البوعزيزي المسألة، بعد أن أجج ابنها ثورة الشعب التونسي التي أطاحت بحكم استمر ‬23 عاما، لم يشكُ خلالها من هزة واحدة، ليثبت أن مخزون القهر أقوى تأثيرا من كل الأسلحة التي يعتقد البعض أنها كفيلة بهز عروش الطغاة.

صفعة تلقاها البوعزيزي من شرطية تعمل في ولاية سيدي بوزيد تدعى «فادية حمدي»، أشعلت ثورة أطاحت بعرش حكم بوليسي لم يتخيل أحد أنه على هذا القدر من الهشاشة التي تجعل صفعة موظفة بلدية لبائع خضار متجول تطيح به، ليصعد اسم محمد البوعزيزي إلى القمة، ويهبط إلى أسفل سافلين اسم تلك الشرطية التي توارت عن الأنظار، خوفا من محاسبة الثائرين لها، في الوقت الذي لم يحاكمها ضميرها، لأنها كانت نموذجا مصغرا للطغاة الكبار الذين لم يصمدوا أمام ثورة الجماهير التي فجرها «القهر لا الفقر»، كما قالت والدة محمد البوعزيزي الذي احتمل الفقر ‬26 عاما، لكنه لم يستطع أن يحتمل القهر ساعة واحدة، فأشعل النار في جسده، بعد أن احترق من الداخل، بينما وقف حارس المحافظة يتفرج على المشهد وهو يضحك، كما تعود أن يرى أسياده يرسمون البسمة على وجوههم أمام عدسات كاميرات المصورين، قبل أن تطيح بهم «ثورة الياسمين».

قبل أكثر من ‬14 قرنا، وفي عصر أطلق عليه المؤرخون العصر الجاهلي، مر حاتم الطائي ببلاد تدعى «عنزة» في بعض الأشهر الحرم، فاستجار به أسير لهم شاكيا له سوء حاله في الأسر، فما كان من حاتم إلا أن ساوم القوم على إطلاق سراحه مقابل أن يجعلوا يده في القيد مكانه ففعلوا. ثم كان أن جاءته أَمَة لهم ببعير قد اعتراه ورم في نحره وأطرافه ليفصده (أي يسيل دمه كي يذهب الدم الفاسد)، لكن حاتم نحره فلطمته الأَمَة. عندها قال الطائي قولته التي ذهبت مثلا: «لو ذات سوار لطمتني»، أي لو أن حرة لطمتني لكان الأمر أهون علي، لأن من عادة العرب حينها أن الأَمَة لا تلبس عندهم حلية.

ربما كان الأمر سيكون أهون على محمد البوعزيزي لو أن ذات سوار لطمته، وربما لو كانت فادية حمدي ذات سوار لما لطمت بائعا متجولا يحاول أن يكسب لقمة عيشه بعزة وكرامة، لكنها لم تكن ذات سوار لأنها رهنت نفسها للسلطة وتخلت عن حريتها يوم أن عاملتها السلطة كأَمَةٍ، فرأت كل الذين أمامها عبيدا وسخرة يحل لها صفعهم وركلهم، بل وحرقهم إن لم يقوموا هم بحرق أنفسهم كما فعل محمد البوعزيزي الذي عانى، كما يقول شقيقه سالم، سبع سنوات من قهر أعوان البلدية الذين كانوا يصادرون بضاعته من الخضراوات والفواكه مرتين في الأسبوع.

لم يكن محمد البوعزيزي يملك وكالة سيارات، ولا شركة محمول، ولا إمبراطورية إعلامية، ولا أسهما وسندات في الشركات الكبرى، ولا رصيدا باليورو في بنوك سويسرا وفرنسا وغيرهما، ولم يكن من حقه أن يحلم حتى بامتلاك شيء من هذه الأشياء، لأنها كانت حكرا على الدائرة الضيقة التي تمسك بتلابيب السلطة، وتتقن لعبة السياسة والتجارة، وتحرك خيوطها كيفما شاءت، وتوزع الأرزاق على الأقارب والأصهار والمتنفذين من الأعوان والموالين. أما هو فإن أقصى ما كان يحلم به، هو المحافظة على عربة الخضار والفواكه التي كان يعمل عليها بائعا متجولا في شوارع سيدي بوزيد، كي يؤمن لقمة عيش كريمة له ولوالدته وشقيقاته الثلاث مع شقيقه بعد أن توفي والدهم، لكن عناصر الأمن والبلدية استكثروا عليه حتى مجرد أن يمتلك عربة خضار بائسة لا تساوي شيئا أمام ما يمتلكه أسيادهم، فطاردوه من شارع إلى شارع ليزيدوا نار القهر في صدره اتقادا، لكن هذه النار لم تحرق صدر وجسد محمد البوعزيزي فقط، وإنما امتدت لتحرق عرش الظلم الذي أذاق البوعزيزي والشعب التونسي صنوفا من الهوان لم تحسب «فادية حمدي» لها حسابا، لأن أسيادها قتلوا فيها مراكز الحس قبل أن يوظفوها أمةً برتبة شرطية، وقبل أن يوظفوا رؤساءها عبيدا بدرجة مديرين ومحافظين.

ما بين لطمة أَمَةِ «عنزة» لحاتم الطائي، ولطمة شرطية «سيدي بوزيد» لمحمد البوعزيزي، أكثر من أربعة عشر قرنا، تغيرت خلالها أشياء كثيرة على وجه المعمورة، وبقيت كرامة الإنسان كما هي لم تتغير. قد يتنازل الأحرار عن أشياء كثيرة، لكنهم لا يتنازلون عن كرامتهم أبدا، يبقون ثابتين عليها، لأنهم يعلمون أنها قائمة على الحق والعدل، في الوقت الذي يفر فيه الطغاة عند أول إحساس بالخطر، لأنهم يعلمون أن عروشهم مقامة على الظلم، وجولة الظلم ساعة، أما جولة الحق فإلى قيام الساعة.

يصف المفكر والعلامة السوري وأحد رواد الحركة الإصلاحية في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، «عبد الرحمن الكواكبي» الحكومة المستبدة في كتابه «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد»، فيقول: «الحكومة المستبدة تكون طبعاً مستبدة في كل فروعها؛ من المستبد الأعظم إلى الشرطي، إلى الفرّاش، إلى كنّاس الشوارع. ولا يكون كل صنف إلا من أسفل أهل طبقته أخلاقاً، لأن الأسافل لا يهمهم طبعاً الكرامة وحسن السمعة، إنما غاية مسعاهم أن يبرهنوا لمخدومهم بأنهم على شاكلته، وأنصار لدولته، وشرهون لأكل السقطات من أي كانت ولو بشراً أو خنازير، آبائهم أم أعدائهم، وبهذا يأمنهم المستبد ويأمنونه فيشاركهم ويشاركونه، وهذه الفئة المستخدمة يكثر عددها ويقل حسب شدة الاستبداد وخفته، فكلما كان المستبد حريصاً على العسف احتاج إلى زيادة جيش المتمجدين العاملين له المحافظين عليه».

ما بين حاتم الطائي ومحمد البوعزيزي خيط ممدود، لأن طبائع الأحرار في كل العصور واحدة، وما بين الطغاة جميعا خيط ممدود أيضا، لأن طبائع الاستبداد في كل زمان ومكان واحدة، ولأن نهايات الطغاة متشابهة.. ويبقى أن نأخذ نحن العبرة مما نقرأ ونشاهد، لأن من لا يعتبر إما جاهل أو غافل، والشعوب لا تفرق بين الجَهَلَة والغَفَلَة، عندما تخلع رداء الصبر وتثور لكرامتها.