ثمة أحداث تصنع العالم العربي أو تُصنع فيه، أتوقف عند ثلاثة منها، هي: الدرس السوداني، والمأزق اللبناني، ثم الحدث التونسي.

ما ينتظر أن يحدث في السودان من انشقاق تولد بموجبه دولة جديدة في الجنوب، هو ما كان ينبغي أن يحصل منذ زمن، أو بالأحرى هو ما قاد إليه فشل التعايش والاندماج بين مجموعتين مختلفتين في اللغة والديانة..

هذا ما أثبتته تجربة نصف قرن، عانى خلالها السودان من الحروب الطائفية والمجازر التي أُريقت فيها بحار من الدماء، بقدر ما أهدرت أو عطّلت ثروات وطاقات أعاقت نموّه وتقدّمه وأعادته إلى الوراء. وأصبح من الأفضل أن تكون هناك دولتان متجاورتان تقوم بينهما علاقات تفاهم أو تعاون أو تبادل، من أن تكون دولة واحدة تمزقها النزاعات والحروب.

ولذا لا ضرورة للتباكي على الوحدة الضائعة. فالعقل الوحدوي العربي أثبت عجزه عن توحيد حيّ في مدينة، بين أناس من نفس الديانة أو الثقافة أو اللغة، فكيف بتوحيد بلد متعدد الأصول والأعراق واللغات والديانات!

وبدلاً من أن نرمي التبعة على الغير والاستعمار، فلننظر في ما نصنعه نحن، لأن ما نحصده من الفشل هو ترجمة لعقليتنا الخرافية وعقائدنا الاصطفائية وتصوراتنا الأحادية وتهويماتنا الذاتية.. أي كل ما يلغم مشاريع التوحيد وينتج المزيد من الفرقة، مما يعني أن المشكلة تحمل على إعادة النظر في مفاهيمنا للوحدة والهوية. فالوحدة، لأي دولة أو وطن أو مجتمع، لا تفترض المماهاة التامة أو الانسجام الكلي بين عناصره، وإنما هي إدارة الاختلافات والتعارضات التي ينسج منها كل اجتماع بين البشر، بقدر ما هي واقع يصنع وعالم يبنى بابتكار كل ما من شأنه أن يعمل على خلق أو توسيع أو تعزيز المساحات والمصالح المشتركة من اللغات والقيم والمجالات.

ومن جديد يستبدّ القلق باللبنانيين على المصير، بعد إسقاط الحكومة بانسحاب وزراء المعارضة منها. فالأكثرون يخشون من انفجار الوضع وتجدّد العنف، بعد الوصول إلى الجدار المسدود.

وما حصل هو أمر متوقع، فالمعارضة، التي هي فعلياً أقوى فريق في لبنان، لم تدخل الحكومة إلا لفرض شروطها ومطالبها، وإن لم يكُن فتعطيل دفّة الحكم. ولذا، فإن استقالة وزراء المعارضة لا تغير الشيء الكثير، لأن الحكومة، منذ تشكّلت، وهي شبه مشلولة، إذ لا يمكن لحكومة أن تعمل وتسيّر الشؤون، فيما هي تجمع الأضداد والنقائض من القوى والمشاريع والمحاور في الداخل ومن الخارج. هذا المأزق، هو ما يجعل لبنان «بلداً معلقاً»، كما أصف الوضع فيه، بحيث أن حلّ مشكلته بات مرهوناً بحلّ المشكلات في المنطقة.

بالطبع، علق الكثيرون الآمال العريضة على التسوية من خلال سوريا والسعودية (س ـ س)، ولكني لم أقتنع بأنها قابلة للتحقق، كما كتبت منذ شهور. ولا يعني ذلك أن اللبنانيين لو تركوا لشأنهم سيصلون إلى حلّ مشكلاتهم. لا أعتقد ذلك، أولاً بعد أن أصبحت الارتباطات مع قوى الخارج متداخلة، ولا مجال بعد لانفكاكها في المدى المنظور، ثانياً؛ لأن اللبنانيين غير قادرين على إنجاز التسوية، حتى لو توقّفت التدخلات من الخارج، لأنهم لا يعملون بمنطق الإصغاء والحوار والتبادل، بقدر ما يعملون بمنطق القوة أو النفيِ والاتهام والتخوين، من هنا لو ترك اللبنانيون لحالهم لما اتفقوا، بل تنازعوا واقتتلوا، وقادوا البلاد نحو الفوضى والخراب.

في أي حال، إن فشل التسوية يعني، من جهة أخرى، أن الإطار العربي لم يعد صالحاً، كما حدث من قبل في اتفاق الطائف أو اتفاق الدوحة. فالممكن هو التدويل، وهو ليس ضد التعريب ولا ضد دول الإقليم، وإنما هو متعدد المستويات، عالمي وإقليمي وعربي ووطني، بحيث تجتمع كل الدول لاجتراح تسوية جديدة مقبولة.

أما تونس ففي كل مرة أزورها، يصدف أن ألتقي بأشخاص من المعارضة للنظام القائم، يعربون عن احتجاجهم واستنكارهم. وهذا ما حصل لدى زيارتي الأخيرة، مع فارق أنني شعرت في هذه المرة بأن المعارضة تغلي من فرط الغضب والسخط.. وهكذا فبعد أيام من عودتي من تونس إلى بيروت، اندلعت الشرارة وانفجرت الأوضاع بما يشبه الثورة الشعبية على نظام الحكم.. وآل الأمر إلى تنحي الرئيس التونسي زين العابدين بن علي ومغادرته البلاد.

وإذا كان لي أن أعلّق على ما حدث، فليس من موقع من ينصح، لأن لا أحد يحلّ محل سواه في تدبير شؤونه وحلّ مشكلته، ولكني كلبناني يعنيه الوضع في أي بلد عربي، وككاتب كانت لي زيارات متعددة إلى تونس للمشاركة في ندواتها الفكرية، وقبل ذلك ككاتب يدرس ويحلّل، بوسعي أن أبدي في هذه العجالة الملاحظات الآتية:

ــــ لا عودة إلى الوراء عند تشكيل السلطة الجديدة ورسم خرائطها. يُفترض أن تؤخذ بعين الاعتبار حقائق العصر ومفرداته، بقدر ما تؤخذ في الحسبان تعقيدات الواقع وتشابكات القضايا المختلفة، بحيث تُدار أعمال البناء والإنماء بعقول مفتوحة، مرِنة، تداولية، تهتم بإطلاق القوى والطاقات، لا شلّها، بقدر ما تكون قادرة على التفكير والعمل بمنطق التركيب البنّاء والتحويل الخلاّق والتبادل المثمر.

ــــ إن إزاحة السلطة أو تسلّمها، هي مسؤولية جسيمة يؤمل أن يحملها أهل تونس، بتقديم نموذج ناجح في الديمقراطية أو التنمية أو توزيع الثروة، أي في ما أخفق فيه الكثيرون. فالدرس المستخلص أن الثورة ليست مجرد أفراح، كما علّمتنا التجارب، خاصة لدى حركات التحرّر الوطني وفي دول العالم الثالث، حيث أعيد إنتاج الاستبداد والفساد والتفاوت بأردأ أشكاله.

ــــ ليس لأحد أن يتعامل مع بلده بوصفه مشروعه الخاص، لكي يحتكر شؤون الحقيقة والسلطة والثروة، كما ليس لأي فئة أو قوة سياسية، معارضة أم موالية، أن تحتكر الوصاية على العدالة والتنمية والحرية وسواها من القيَم العامة. إن عصر الإيديولوجيات الثورية والأصوليات الاصطفائية، التي يدّعي أصحابها امتلاك الأجوبة النهائية والحلول القصوى للمشكلات، أفضى إلى الإخفاق أو الكوارث، ما يعني أن إدارة الأمور بصورة إيجابية وبناءَّة، إنما تتمّ بمفردات التسوية والتوسط والشراكة.

ــــ ما يُستفاد أيضاً من الحدث التونسي، أنه لا مجال، بعد الآن، لأن تُدار الدول بعقل مركزي فوقي، أو سلطوي بوليسي، أو استبدادي شمولي. ففي عصر القنوات والشبكات، حيث تنتشر المعلومات وتتعولم الأفكار وتتشكل الهويات العابرة والمتداخلة، تنفتح الحكومات الناجحة والفعّالة على الحِراك الاجتماعي بكل دوائره ومستوياته، بقدر ما تعمل بمنطق أفقي ديمقراطي تبادلي.