أربعة أسابيع من المظاهرات أنهت 23 عاماً من حكم الرئيس التونسي زين الدين بن علي. وقد ردد الكثير من المسؤولين السياسيين منذ سنوات أن نظامه كان يمثّل أحد أقطاب الاستمرار في العالم العربي. لا شكّ أن الدروس التي يمكن استخراجها من هذا الحدث الكبير هي جزئية ومبكّرة ولا بدّ من تعميقها خلال الفترة القادمة.
الملاحظة الأولى هي أهميّة العدالة الاجتماعية والاقتصادية. ومنذ أكثر من خمسة وعشرين سنة، أي منذ انتصار اللبرالية الاقتصادية سادت فكرة أن الاحتجاج الاجتماعي لم يعد محرّك التاريخ وأن صراع الطبقات قد انتهى وأن قوى السوق ستجد حلولا لمشاكل البؤس والتنمية.أحداث تونس أظهرت خطأ ذلك كلّه .الأمر الذي له دلالته الكبيرة هو أن الأحداث وقعت في بلد كان يتم تقديمه على أنّه نموذج اقتصادي ناجح.
وإذا كان من الصحيح القول إن تونس حققت نموّا اقتصاديا هامّا خلال السنوات العشرين الأخيرة في العديد من الميادين فإن النمو المعلن الذي وصل سنويا إلى أكثر من 4 بالمائة رغم الأزمة المالية العالمية، لم يترافق بتقليص أشكال التباين الاجتماعي الكبير. ويمكن قول الشيء نفسه بالنسبة لبقيّة دول المغرب .
لقد تعاظم الإحساس بالظلم الاجتماعي بسبب حالة الفساد التي عرفتها تونس واستئثار حفنة قليلة من المستفيدين من النظام بجزء هام من الاقتصاد الوطني في قطاعات متنوّعة مثل البنوك والصناعة والعقارات وغيرها.ومثلما هو الأمر في مثل هذه الحالات كان الشباب هم الذين انخرطوا بحركة الاحتجاج بأكبر قدر من السهولة ومن الراديكالية.وتونس لا تشذّ عن هذه القاعدة. ثمّ إن البطالة الضاغطة التي يعاني منها الآلاف من الشباب ذوي المؤهلات العلمية هي وباء حقيقي في المنطقة .لكن ما أن انطلقت مظاهرات الاحتجاج العفوية ضد الأوضاع التي كانت سائدة حتّى انضمتّ إليها فئات اجتماعية عديدة ومتنوّعة.
الملاحظة الثانية هي أهميّة الديمقراطية. من المعروف أن نظام بن علي لم يكن يحترم منذ وصوله إلى السلطة الحقوق الأساسية للتونسيين. وقد أغلقت السلطة كل المنافذ للتعبير عن الرأي وأحكمت رقابتها على القوى السياسية المرخّص لها بالعمل وعلى النقابات والجمعيات والصحافة والانترنت والعدالة. وكان قد أُعيد انتخاب بن علي في الانتخابات الرئاسية عام 1999 بنسبة 99,5 بالمائة و94 بالمائة عام 2004 و89 بالمائة عام 2009. مع ذلك ومع ضراوة القمع لمدّة 23 سنة تهاوى كل شيء خلال عدّة أسابيع.
وكان أحد الأسباب التي قدّمتها السلطة لتبرير قمعها هو مكافحة التزمّت الديني. لكن طيلة المظاهرات التي عرفتها الأسابيع التي سبقت هروب بن علي لم يتم رفع أي شعار ذي طابع عقائدي ،بل تركّزت الشعارات حول نهاية النظام. لكن بقيت مسألة إقامة نظام جديد .مع من؟. ربما أن التونسيين لن يكتفوا بإصلاحات على الواجهة وبالتالي تُطرح مسألة إعداد دستور جديد في أقرب أجل.ومن المشكوك فيه أن يقبلوا استمرار الذين تعاونوا مع النظام القديم لعقود في التمتع بامتيازاتهم.المفارقة هي أنه لا يبدو هناك اليوم من يأخذ دور البديل حقيقة. أحزاب المعارضة الحقيقية لا تملك اليوم القاعدة الاجتماعية وقادتها كان أغلبيتهم في المنفى.
ومن أجل تجنّب أن ينفجر كل شيء بصورة لا يمكن السيطرة عليها لا بدّ من أن تستطيع قوى المعارضة تنظيم نفسها والدفاع عن اقتراحاتها. هذا يسمح بتجنّب اندفاعات لا أحد يضمن إمكانية السيطرة تداعياتها.
التحديات هائلة. والمطلوب من مختلف الشركاء تقديم المساعدة للشعب التونسي تبعا لاحتياجاته ولطلباته من أجل تطوير بلاده على أسس جديدة، هذا مع احترام السيادة التونسية. ومما يمكن تمنيّه هو أن يتم اعتبار ممثلي الشعب التونسي بكل تنوعاتهم ومشاربهم طرفا محاورا مقبولا وجديرا بهذه التسمية. ولا يمكن سوى أن تتم في هذا السياق ملاحظة أن حقيقة وجود هذا المحاور قد غابت عن واقع التعامل وعن معاييره طيلة 23 عاما من نظام بن علي.
ينبغي باختصار تغيير الأساليب القديمة والارتفاع إلى مستوى ما صنعه الشعب التونسي.