ويبقى السؤال ما بين انتهاء أعمال الاستفتاء في جنوب السودان وإعلان النتيجة... إلى أين يمضي السودان سيما وان نتيجة شبه محسومة إن لم تكن محسومة مقدما بانفصال الجنوب وإعلان دولته المستقلة؟هل سيعرف الاستقرار طريقه إلى السودان المقسم ام ان مزيدا من الشقاقات ربما تجتاح شماله وجنوبه على السواء؟

يمكن القول بداية ان عدم اكتمال ترسيم الحدود السياسية الفاصلة بين جنوب السودان وشماله سوف يفتح الباب على مصراعيه أمام احتمالات حدوث حرب مرتفعة الشدة بين شمال وجنوب السودان في مرحلة ما بعد الانفصال سيما وان عملية ترسيم الحدود بين الجانبين قد تم إكمال ‬80٪ منها على الورق إلا أن ما تم إسقاطه ميدانيا على العارض لم يتجاوز ‬30٪.

على أن الخوف الأكبر الذي يمكن أن يصيب السودان هو تفكك الجنوب نفسه واشتعال الشمال ذاته أي انقسام كل منهما على ذاته مشكلا جيوبا ودويلات وحروبا تذهب بعيدا عن أي استقرار.

ففي الجنوب تبقى هناك احتمالات انقسامات وصدامات بين الجنوبيين أنفسهم وقد بدأت أولى المؤشرات الدالة على ذلك من خلال خلافات الأحزاب السياسية الجنوبية البالغ عددها ‬70 حزبا، وهناك كذلك قتال لا يزال دائرا بين ثلاث مناطق بسبب تمرد ثلاثة من كبار قادة الجيش الشعبي التابع للحركة الشعبية ثم تبقى عملية تزايد الخلافات الأثينية إزاء تحدي كيفية النجاح في إدارة التنوع العرقي ــ ألاثني بما يضمن لأثنيات الجنوب البالغ عددها حوالي ‬200 مجموعة أثنية كبيرة وصغيرة.

هذه باختصار شديد للغاية مهددات لا تجعل الطريق أمام إعلان دولة أنموذجية عصرية في الجنوب أمرا يسيرا وفي متناول الأيدي وهو أمر يلقي بتبعات جمة على السودانيين وعلى جيرانهم الأفارقة والذين لن يسلموا ولا شك من نيران تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ من جديد.

وإذا ارتحلنا إلى الشمال سوف نجد أمامنا مواقف وتصريحات تقول بان استفتاء الجنوب يهدد بتمزيق الشمال السوداني وبتجدد دوامة التوتر والعنف في المناطق المضطربة الأخرى مثل دارفور وجنوب كردفان ومناطق أعالى النيل بما يهدد تكامل شمال السودان وفي مقدمة هؤلاء كانت «هيلدا جونسون» وزيرة التنمية النرويجية السابقة التي لعبت دورا حاسما في التفاوض على اتفاقية السلام الشامل وقد رأت أن الوضع في الشمال لا يزال هشا للغاية ولابد من التعامل معه بعناية فائقة وانه إذا لم يتم التعامل مع هذا الوضع بشكل سليم فسوف يكمن الخطر ليس فقط في دولة فاشلة في السودان ولكن في دولة مجزأة أيضا.

أما «غيل سميث» المستشارة المتخصصة في شؤون السودان في مجلس الأمن الوطني بإدارة الرئيس الأميركي باراك اوباما فترى ان «الخطة الأميركية هي مواصلة الانخراط بصورة مطلقة».

والشاهد ان الولايات المتحدة الأميركية ولاشك صاحبة مصلحة كبرى في الانقسام التاريخي الذي جرى للسودان وهي مصلحة تتسق ولاشك مع استراتيجياتها الإمبراطورية لصبغ القرن الحادي والعشرين بصبغة أميركية وفي الطريق لإدراك هذا الهدف الأعلى تجد الصين في طريقها هناك.

والآن وقد جرى ما جرى من انفصال شبه مؤكد للجنوب كانت واشنطن عراب الأول والصين بالاختيار لا الإجبار الثاني ما العمل حتى لا يجد العالم عدة دويلات مشتعلة متناحرة لا تصب في الميزان الاستراتيجي الايجابي لواشنطن على نحو خاص؟

الجواب عند «اندرو ناتسيوس» الذي شغل سابقا منصب مبعوث الولايات المتحدة الخاص إلى السودان وقد ورد ضمن خطابه في منتدى سياسي خاص في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى في منتصف ديسمبر المنصرم... ما الذي قاله؟

يبدأ توصيفه بافتراض أن الخرطوم ستقوم بالمراهنة على حسابات خاطئة خطيرة وعليه يكمل... « ويجب على واشنطن التصرف بسرعة وبطريقة إستراتيجية لضمان استقرار المنطقة فأولا يجب على الولايات المتحدة أن توفر ضمانة أمنية للجنوب وهذا لن يخدم فقط كرادع للشمال بل ان التصور بوجود أمن متزايد في جنوب السودان يمكن أن يساعد جوبا على تقديم التنازلات الضرورية للتوصل إلى اتفاق لتتقاسم العائدات مع الشمال.

ثانيا، يتعين على الولايات المتحدة الدخول في اتفاقية للتجارة الحرة مع جنوب السودان لتسهيل قيام استثمار أميركي في الجنوب.

ثالثا، يتعين على واشنطن أن تقيم سفارة في جوبا وبذلك ستبعث رسالة مفادها ان واشنطن لما لها من مصالح أمنية واقتصادية ودبلوماسية في الجنوب مستعدة للبقاء لفترة طويلة.

وأخيرا ينبغي على الولايات المتحدة ان توسع نطاق الجهود المبذولة لزيادة القوة العسكرية لجنوب السودان من اجل تقليل نشوب حرب مستقبلية والمساعدة على تحقيق الاستقرار في المنطقة على حد سواء.

هل من نتيجة أولية لهذه القراءة العاجلة؟

بلا شك نعم ومفادها أن ما جرى لم يكن شأنا قدريا اعتباطيا بل تدبير وتفكير وعمل منظم عرف كيف يجعل من اشكالية الأقليات خنجر في الخاصرة مستخدما أخطاء الأنظمة والحكومات المحلية لبناء ورسم خريطة جديدة للمنطقة ومن أسف وأسى شديدين هو نموذج مرشح للتصاعد عربيا وأفريقيا ولا عزاء لدعاة الوحدة الكبرى والأمة الخالدة ذات الرسالة الواحدة التي أضاع أبناؤها كل فرصة لتحويل الشعارات إلى حقائق عبر أكثر من نصف قرن مضت.

 

كاتب مصري