إنها حقاً لمفارقة أن يتزامن انعقاد منتدى المستقبل السابع، الذي يضم ممثلين عن الحكومات وعن منظمات المجتمع المدني في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى جانب مجموعة الثماني، مع الأحداث الزلزالية الكبيرة التي جرت في تونس، وكأن ما جرى هناك قد جاء ليقدم لزعماء هذه الدول دليلاً لا يرقى إلى قوته أي دليل آخر، على ما يترتب من تداعيات خطيرة على إهمال التوصيات الإصلاحية التي خلص إليها المنتدى في دوراته الست الماضية.

فبعد ثلاثة أيام على انعقاده في العاصمة القطرية الدوحة، اختتم منتدى المستقبل أعماله في الثالث عشر من يناير الجاري، إلا أنه لم يتم التوصل إلى اتفاق حول البيان الختامي، وذلك بسبب تحفظ وزير خارجية كندا التي تشارك قطر في رئاستها للمنتدى، على طلب المندوب الفلسطيني إدراج فقرة حول ضرورة قيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية.

سبقت انعقاد المنتدى إعدادات كبيرة له، حيث عقدت ورشات عمل إقليمية في بيروت وإسطنبول والدوحة، إضافة إلى ورشات وطنية أخرى في ست من الدول المشاركة في المنتدى، من أجل إنضاج مقترحات تعرض أمامه. ولم تكن منظمات المجتمع المدني غائبة عن الحضور، فقد قدم ممثلو حوالي ‬120 جمعية ومنظمة غير حكومية وممثلون عن قطاع الأعمال الخاص، توصياتهم.

والحقيقة أن معظم التوصيات التي خرج بها المنتدى في دوراته العديدة ذات طابع عمومي، منها التأكيد على تعزيز الديمقراطية وتوسيع رقعة المشاركة السياسية، والابتعاد عن سياسات التهميش، وتعزيز حرية التعبير، والتأكيد على استقلالية القضاء، والالتزام بمبدأ مساواة الجميع أمام القانون.. وغير ذلك من مطالب ألفنا سماعها كثيراً في وسائل الإعلام.

المشاكل التي تواجه دول الشرق الأوسط والشمال الإفريقي، ليست باليسيرة أو الهينة، سواء كانت هذه المشاكل داخلية أو مع دول الجوار، وبعض هذه المشاكل أصبح مزمناً، وذلك للتقاعس المزمن في مواجهته. ولعل أفضل لغة للتعبير عنها هي لغة الأرقام، لأنها لغة الموضوعية لا لغة العواطف. هناك مؤسسات محلية وإقليمية ودولية على درجة عالية من الاحترافية والدقة، تصدر تقارير دورية، سنوية أو نصف سنوية، حول مؤشرات النمو في جميع دول العالم، حيث يتضح منها أن دول المنطقة، بشكل عام، لا تحتل مواقع متقدمة أو متوسطة في سلم التنمية، وهي مؤشرات مقلقة حول المستقبل، إلى حد كبير.

ويعتبر الفقر أكبر التحديات التي تواجه دول المنطقة، ولا أحد يختلف في أنه يقف عائقاً كبيراً أمام عمليات التنمية في هذه الدول، بل إن خطورته تتجاوز ذلك لتصبح أحد أبرز عوامل عدم الاستقرار، وقد تصبح سبباً في تقويض أنظمة سياسية وهزيمة حكام أقوياء، كما حصل مؤخراً في تونس.

يتجلى الفقر في مجتمعات هذه الدول في هيئتين: أولاهما ضعف الدخل والاضطرار للعيش في مستوى محبط للإنسان على مختلف الصعد، وثانيتهما انعدام الدخل أو البطالة، حيث تبلغ نسبة العاملين إلى عدد السكان في هذه المنطقة ‬46,4٪، في حين يبلغ المعدل العالمي لذلك ‬62,5٪. وتبعاً لذلك فإن نسبة البطالة فيها هي الأعلى في العالم، فوفق التقارير الصادرة من جهات رسمية، تبلغ معدلات البطالة قرابة ‬20٪، وتصل هذه النسبة بين الشباب إلى ‬36٪، في حين أنها لا تزيد على معدل قدره ‬26٪ في العالم.

وتزداد خطورة البطالة في هذه المنطقة من العالم، في ظل معدلات النمو السكاني العالية، فدولها تواجه ضغوطاً ديمغرافية كبيرة، إذ كانت معدلات النمو السكاني هي الأعلى في العالم طيلة الجيلين الماضيين. ومن المتوقع في ضوء ذلك، أن يرتفع عدد القوة العاملة إلى ‬185 مليون نسمة بحلول عام ‬2020، بارتفاع نسبته ‬80٪ عما كانت عليه عام ‬2000. كما أن هذه المنطقة هي الأكثر شبابية في العالم، إذ إن نسبة الشباب فيها هي الأعلى، حيث تبلغ نسبة من هم دون الخامسة عشرة من العمر ‬37٪ من السكان، ونسبة من هم دون الخامسة والعشرين ‬58٪، وذلك حسب التقرير الصادر عن معهد الشرق الأوسط للبحوث والإعلام، نهاية عام ‬9002.

كما أن هناك مشكلة لا تقل خطورة عن البطالة، ألا وهي مشكلة الأمية المتفشية في المجتمعات، فعدد الأميين في الدول العربية، التي تشكل معظم الشرق الأوسط، وفق تقارير المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو)، يبلغ ‬100 مليون، أي ‬30٪ من السكان، وثلثا هؤلاء من النساء.

وإضافة إلى ما ذكرناه، فإن الفساد المالي والإداري من الآفات التي تفتك بهذه المجتمعات، فلا تخلو التقارير السنوية لمنظمة الشفافية العالمية، من الإشارة إلى حجم الفساد المستشري في بعض دول المنطقة. هناك بكل تأكيد خطط للتنمية في العديد من دول المنطقة، إلا أن هذه الخطط تستبعد منظمات المجتمع المدني وتهمشها إلى حد كبير، لذلك يبقى هامش الحريات المتاحة محدوداً، كما أن الحقوق المدنية ليست بالمستوى الذي يتوافر لدى الدول المتقدمة، خاصة ما يتعلق منها بحقوق المرأة. ولكن ما هو أكثر أهمية في هذا السياق، هو أن خطط التنمية هذه قاصرة، لأنها لا تعير الجانب الأكثر خطورة، وهو التنمية البشرية، ما يستحقه من اهتمام، فالتنمية البشرية هي المفتاح الحقيقي للتقدم.

لم يخرج المنتدى في دورته السابعة بجديد يتميز عن ما خرجت به دوراته الست الماضية، حيث تكررت التوصيات نفسها، إلا أنه شهد تصاعداً في القلق الدولي. فالتعثر أو الإهمال في وضع خطط جادة لمواجهة هذه المشاكل الخطيرة في عدد من دول المنطقة، لا يغيب عن أنظار الدول الثماني الكبار التي لديها مصالح كثيرة في هذه المنطقة، ويهمها إلى حد كبير أن تحظى باستقرار يضمن عدم تعرض هذه المصالح للأخطار.

لذلك لم يأت تحذير وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون من فراغ، حين أشارت بكل وضوح في الكلمة التي ألقتها في المنتدى، إلى حقيقة أن العناصر المتطرفة والمنظمات الإرهابية، تتغذى وتنتعش في أجواء الفقر والإحباط، وتزداد قدراتها على التنافس للحصول على النفوذ وملء الفراغ. وأكدت خطورة بقاء الأوضاع كما هي، بالقول «إن شعوب المنطقة سئمت من المؤسسات الفاسدة والسياسات الراكدة، مقابل تراجع الثروات المائية والنفطية». وأضافت محذرة بأن «الذين يتمسكون بالوضع الراهن كما هو، قد يتمكنون من الصمود أمام مجمل مشاكل بلدانهم لفترة قصيرة، ولكن ليس للأبد».