عندما صدر مؤخراً حكم ضد الشرطي السابق «يوهانس مهسيريل» في سان فرانسيسكو، بالسجن لمدة عامين فقط على تهمة قتل مواطنه «أوسكار غرانت»، وجدت أنه من الصعب أن أغضب. فقد قتل «غرانت»، الذي لم يكن مسلحاً، في رأس السنة الميلادية الجديدة 2009، حينما سقط على الأرض لدى محاولة «مهسيريل» وزملائه الضباط اعتقاله. وتم تسجيل واقعة القتل على الهاتف المحمول، حيث أثارت موجة غضب عندما نشرت على موقع يوتيوب في الانترنت. تمعنت في هذا الغضب ووجدت أنه من دون الفيديو، لم تكن لتوجد قضية.
في الواقع، قبل «مهسيريل»، لم تكن هناك سابقة بإدانة ضابط أبيض في ولاية كاليفورنيا، بقتل رجل أسود. ومع ذلك، فالمسألة في رأيي، أن أقوى الحجج بشأن عقوبة السجن، تدور حول حماية المجتمع من الخطر.
أما أقوى حجة تالية فتعتبر عقابية، وهي أنه يجب أن يدفع ثمن إزهاق النفس، لئلا يعتقد القتلة المحتملون أن أفعالهم لا تنطوي على أي نتيجة. وأنا لا أعتقد حقا أن «مهسيريل» يشكل خطراً على مجتمعه، ولكنني حائر أيضاً بشأن النقطة الحقيقية في العدالة العقابية، التي يتم بموجبها تنفيذ عقوبة ضد أناس ليسوا في الواقع مجرمين. انتابني شعور بأن «مهسيريل»، من خلال قتل «غرانت»، قد ارتكب خطأ فظيعاً ومقززاً، ولكن لم أكن متأكداً بشأن الفائدة التي ستعود من إرساله إلى السجن لمدة خمس أو عشر سنوات.
وكان جلّ اهتمامي، ليس في أن «مهسيريل» يدفع الثمن، وإنما في إيجاد طريقة لتقليص أشكال إساءة استخدام السلطة الشرطية إلى حد كبير، التي أصابت مجتمعات الأميركيين الأفارقة بصورة روتينية.
ويتسم العديد من هذه الانتهاكات بأن له جذورا في هذا النوع من المشكلات النظامية، التي لا يمكن تخفيفها من خلال مجرد تأديب ضابط شرطة. وعلاوة على ذلك، فإن الانتهاكات لا تشكل مجرد مشكلة للذين مارسوها، بل هي تشكل خطراً على السبب الذي من أجله تتواجد الشرطة، وهو مكافحة الجريمة. ففي نيويورك، نشرت صحيفة «صوت القرية» مؤخراً، خبراً عاجلاً عن كبار الضباط في منطقة «بروكلين»، الذين وجد أنهم يكثفون عمليات ملاحقة مشتبه فيهم من أجل زيادة أعداد الاعتقال. وتم تسجيل مكالمات لكبار الضباط في الشرطة، وهم يحثون مرؤوسيهم على القيام بعمليات اعتقال تافهة، من أجل التلاعب في أعداد مكافحة الجريمة لديهم! هذا وحده كان مشيناً بما فيه الكفاية. ولكن من خلال التلاعب بالأرقام، فقد ساعدت «بروكلين» دون قصد على إثارة هياج المغتصب في منطقة «بيد ـ ستوي»، من خلال التهوين من جرائمه.
وكان الضباط يتتبعون بيانات برنامج «كومبستات»، وهو عبارة عن برنامج لتعقب الجريمة الذي أحدث ثورة في العمل الشرطي، وربما ساعد على خفض معدل الجريمة في نيويورك. لكن المسؤولين في الشرطة نادراً ما يعترفون بأن أعداد الاعتقالات لا تعبر بصدق عن الواقع، ولكنها تعتبر بمثابة مؤشرات غير مباشرة للجريمة ونوعية الحياة.
وأرى هنا أنه غالبا ما تكون هناك عوامل فعالة في مجال تنفيذ القانون، تتجاوز معاقبة ضباط مهملين أو مارقين. وفي ضوء ذلك، فإنني لم أشعر بالدهشة كثيراً بشأن عقوبة الحبس الخفيفة التي صدرت ضد «ميهسريل»، لأنني أؤيد قرار القاضي الذي قال فيه إن الشهادة أظهرت أن «ميهسريل» كان قد أعلن أنه كان سيستخدم الصاعق الكهربائي. وأدلى أحد أصدقاء «غرانت» بشهادته التي قال فيها إن «ميهسريل» أطلق رصاصة على ظهر «غرانت»، قائلا: «يا ويلتاه، لقد أطلقت عليه النار».
الأمر كان عادلاً بما فيه الكفاية، ولكن لماذا أراد الضابط صعق الرجل الذي كان سقط على الأرض فعلياً؟ هل كان هذا المستوى من القوة ضرورياً؟
ثم إن هناك عامل الديمقراطية. فأقسام الشرطة على امتداد أميركا، تتعرض لضغوط من المسؤولين المنتخبين. ففي أميركا، يعول المرشحون في جانب من عملية انتخابهم، على إقناع الناخبين بأنك سوف تحاكم الجريمة بقوة. وما يعنيه ذلك هو المزيد من الاتصال، مهما كان تافهاً، بين المواطنين والقائمين على حمايتهم، الذين يعلمون أنهم بعيدون عن أية تداعيات حقيقية.