أحداث تونس طرحت علينا مرة أخرى، شخصية الحاكم المستبد والعالم الذي يعيش به. وهو عالم صنعه المستبد بنفسه، ومن خلاله يرى العالم الخارجي، فتأتي تلك الرؤية مشوهة لا تعكس الحقيقة، بل تعكس ما يود أن يراه هذا المستبد.

إن هذه الرؤية ليست العالم كما هو بتناقضاته ومشكلاته وصعوباته وتحدياته، بل هي تلك الرؤية الوردية التي يود رؤيتها هذا المستبد، الذي يتحول مع مرور الأيام إلى نعامة تخفي رأسها في التراب، في حين أن جسدها باد للعيان، ظناً منها أن أحداً لا يراها! أو أنه كجحا الذي ناوشه بعض الصبية، فأراد التخلص منهم فكذب عليهم بقوله إن هناك عرساً ووليمة فاذهبوا لتتمتعوا بأطايب الطعام، فلما تركه الصبية تصديقاً لكلامه، أخذت تساوره الشكوك في إمكان صدق ما قال، فطفق يهرول إلى العرس المزعوم.

والمستبد هو الذي خلق هذا العالم بنفسه، وهو ذلك العالم الذي يحجبه عن الحقيقة، وعما يجري في حياة مواطنيه الذين يعتبرهم «رعاياه» وعليهم السمع والطاعة، فمن يزين له الأمر هو أجهزته وبطانته وخاصته «وخاصة خاصته». فهؤلاء عيونه الساهرة، وآذانه المنصتة، وأنفه الذي يشم كل شيء ويحسب حتى أنفاس الناس! غير أن «قرون الاستشعار» تلك معطوبة، فهؤلاء في عيونهم رمد، بل ربما عور، وفي آذانهم صمم، «وخياشيمهم» معطلة عن الاهتداء إلى الحقائق!

فقد تمرس هؤلاء بل تفننوا في إسماع المستبد ما يريد أن يسمعه: «حفنة من المشاغبين» أو «قلة من المحتجين» لا يمثلون إلا حثالة القوم، أما باقي الشعب فمعك وإلى جانبك، يعاضدونك ويناصرونك في السراء والضراء!

وأنى لهؤلاء أن يوصلوا الحقيقة إلى أسماع ولي نعمتهم، وهم أيقنوا أن ما هم فيه من نعمة وخير إنما هو بفضل «سيدهم»، هذا إن كانت فيهم ذرة من خير وشجاعة، إذ ان من طبيعة المستبد أن يحيط نفسه بالأتباع «المرتزقة» الذين لا هم لهم إلا النفاق والتزلف، والخوف على «كراسيهم» أكثر من خوفهم على أوطانهم!

وقد أدرك علامتنا العربي ابن خلدون تلك النزعة، حينما حلل أطوار الدولة التي أساسها القوة والعصبية، فسمى نشأة الدولة «طور الظفر بالبغية»، وهو مرحلة الاستيلاء على السلطة وتأسيس مُلك جديد. وفي هذه المرحلة «يساير الحاكم» أهل عصبــــــــيته (الذين كان لهم الفضل في إتيانه إلى السلطة)، ويراعي مشاعرهم، فهم يعتبرون أنفسهم «أنداداً» للحاكم. لكن سرعان ما ينتقل الملك إلى طور آخر، وهو طور الاستبداد، حيث يبعد الحاكم أهل عصبيته ليتخلص من ضغوطهم من أجل المشاركة والتشاور في الحكم، وينفرد بالسلطة ويتخذ المرتزقة أعواناً له، وهؤلاء سيكونون رهن إشارته.

يبعد المستبد المخلصين من حوله، فهو لا يريد أن يسمع إلا ما يرضيه، ويغيظه أي نقد أو ملاحظة أو حتى أي قول للحق. وفي عصرنا الحديث، حيث تطورت أدوات رصد التوجهات وتقدمت استطلاعات الرأي، لم نسمع أبداً أن أي مستبد قد استعان بها حتى لمصلحته الذاتية، وذلك لـ«صون» حكمه من تقلبات أمزجة شعبه، هذا إذا لم تكتم أنفاس الجميع، ومنها أساتذة الجامعة ودور العلم الذين يجرون تلك الاستطلاعات. أما إذا ظهرت تلك الاستطلاعات ونشرت في الغرب، فهي «تؤوّل» منه ومن قبل بطانته، على أنها افتراءات وتدخلات خارجية وهتك للسيادة الوطنية!

يختزل المستبد مصلحة الوطن في بقائه في السلطة، فهو يمثل مصالح الشعب وهو يحققها وهو يسهر عليها، وإن غاب فثمة «فراغ» قد يسده أعداء الوطن والشعب! إنه يعتبر نفسه «أباً» للشعب، حدب عليه، كما الأب مع أبنائه. ولذلك فلا بأس من تغيير الدستور وتمديد ولاية الحكم مرات عديدة، أو حتى «مدى الحياة»! وصوناً لمصلحة الشعب والوطن، فلا بأس من «توريث» السلطة، فابن الرئيس مواطن شأنه شأن أي مواطن في الجمهورية، يحق له «الترشيح» لمنصب رئيس الجمهورية!

هكذا يعيش المستبد في عالم «وهمي» خلقه من نفسه، عالم بناه بنفسه وأحاطه بجُدُر عالية تبعده عن حياة شعبه وهموم مواطنيه، وحركة القوانين التي فعلها صارم كفعل «قانون الجاذبية». وحينما تقع الواقعة، يكون أبعد الناس عن تصديقها وإيجاد الحلول الناجحة لها.

يذكرني ذلك بزحف الجماهير الفرنسية على قصر فرساي، وهو ليس قريباً من باريس، بيد أن الجماهير الباريسية الجائعة والمطالبة بالخبز، قطعته مشياً على الأقدام. وحينما اقتربت سمعت الملكة ماري أنطوانيت هدير الجماهير وصياحها، فسألت وصيفاتها وهي تطل من غرفة نومها المطلة على الحديقة الجميلة لقصر فرساي ذات النافورة الرائعة: ما هذه الضجة، ما بال هؤلاء؟ أجابت الوصيفات: إنهم أهل باريس جاؤوا يطلبون خبزاً. فأجابت: اعطوهم الخبز، فأجبن: لا خبز لدينا يكفي هؤلاء. فقالت: إذن اعطوهم «غاتوه»!!