قبل بضعة أعوام أظهر استطلاع للرأي على المستوى الشعبي الاتحادي، أن ثلثي الأوروبيين يعتقدون أن إسرائيل هي الدولة الأخطر على الأمن العالمي. وفي ديسمبر الماضي قال ‬43٪ من الأتراك إن الولايات المتحدة هي الأخطر بالنسبة لبلادهم؛ تليها في ذلك إسرائيل بمعدل ‬23٪ أي أن ثلثي الأتراك يرون في الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل مصدر التهديد الأساسي لتركيا.

المدهش أن اليونان ذات التارخ الموشى بالمشاكل مع تركيا، والتي ما زالت تختلف معها بضراوة حول قضيتي قبرص وبحر إيجه، لا تشغل لدى الرأي العام التركي هذه المكانة السلبية بأي حال، ذلك أن ‬2٪ فقط من المستطلعين الأتراك، ذهبوا إلى أن اليونان تشكل تهديدا لهم!

بالتزامن مع هذا الاستطلاع الأخير، صرح وزير العدل الأميركي الأسبق رمزي كلارك، بأن بلاده «.. تمثل خطرا على العالم الحر برمته. فالقانون يتعرض بسببها لحواجز كثيرة في الأمم المتحدة وفي الكونغرس...». كلارك قال أيضا بأن «.. أميركا تقف ضد تفعيل القانون الدولي، ونحن كقضاة وممثلين للعدالة قلقون، لأن الولايات المتحدة تستحوذ على التكنولوجيا المتقدمة التي تستخدمها في ارتكاب جرائم حرب...».

أميركا ليست دولة جوار لتركيا، وكذلك إسرائيل، ولا تشتبك هاتان الدولتان مع تركيا في قضايا وإشكاليات ممتدة عويصة كالتي لها مع اليونان، وهناك شراكة أميركية تركية في أكبر وأقوى حلف عسكري غربي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ولطالما وصف أهل الذكر العلاقات التركية الإسرائيلية بأنها حميمة، وربما كانت استراتيجية، ولم يغب هذا التوصيف عن خواطر المعنيين، على الرغم من أزمة التعدي الإسرائيلي على سفن الحرية التركية في عرض المتوسط، منتصف العام الماضي.. ومع ذلك كله ومثله، يستشعر الشعب التركي أن الدولتين تضمران له شرا، وأنهما خطيرتان على أمنه وسلامته.

هذا يعني أن منظور الشعوب لدرجة خطورة القوى الدولية بالنسبة لها، لا يرتبط خطيا بالجوار الجغرافي. كما يبدو أن هذا المنظور، لا يتأتى فقط عن وجود نقاط خلاف أو قضايا عالقة ساخنة مع هذا الطرف أو ذاك. والظاهر أيضا أن خطوط التواصل والتعاون والتفاعل ذات الطبيعة الاقتصادية والوشائج الفكرية الثقافية والسياسية، كالتي بين أوروبا وإسرائيل، لا تكفي لإقناع الشعوب واطمئنانها تلقائيا إلى هؤلاء الشركاء، وإلا لما ساء ظن الأوروبيين بإسرائيل، ولا ظن الأتراك بكل من الحليف الأميركي وشبه الحليف الإسرائيلي.

وقد يتأكد هذا الفهم أكثر، إذا ما أخذنا في الحسبان أن النخب الإسرائيلية الحاكمة تروج على مدار الساعة لفكرة أن المشروع النووي الإيراني هو التهديد الأخطر على إسرائيل، فيما تغيب هذه الفكرة بالمرة عن خواطر الأتراك الذين يقعون على مرمى حجر من إيران ومشروعها المزعوم.

ضمن ما يثير الخيال في هذا الإطار، تلاقى كل من الأوروبيين والأتراك على كون إسرائيل تنطوي على تهديد واضح للأمن الدولي. ثمة سياقات تاريخية وحضارية ثقافية ودينية، منظورة وغير منظورة، تبرر لسواد الأتراك أراجيفهم وسلبيتهم إزاء دولة أهرقت بعض دمائهم عند أول منعطف..

ولكن، كيف دخل مثل هذا الفهم في روع عامة الأوروبيين تجاه دولة تمثل في التحليل النهائي بضعة من عالمهم الواسع وتحظى لدى عواصمهم بمقام الأولوية في العطف والرعاية؟ ترى، هل تكمن كلمة سر هذه المفارقة في المسافة بين رؤى الجماهير ورؤى النخب الحاكمة وتكييفاتها؟ هل تملك الجماهير حساسية أعلى وأرهف إزاء الجور على العدالة الدولية، بحيث انها تتوجس خيفة من تلك القوى التي لا تعبأ بالحقوق والقوانين ولا تقيم وزنا لأخلاقيات الأمم المتحضرة؟

كلام المخضرم رمزي كلارك حول الفجور القانوني والأخلاقي الأميركي، يكاد ينطق بهذا التفسير.