أثارت محاكمة رجل الأعمال ميخائيل خودرودكوفسكي التي ينظرها القضاء الروسي الآن، ردود فعل غير عادية على أعلى المستويات في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، وقالت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية إن الحكم الصادر بحق خودركوفسكي، صاحب شركة «يوكوس» النفطية الروسية سابقا، «سينعكس سلبا» على صورة روسيا في مجال التزاماتها الخاصة بحماية حقوق الإنسان وتحسين أجواء ممارسة الأعمال في روسيا، كما أشار بيان صادر عن الخارجية الأميركية إلى أن الولايات المتحدة راضية عن خطة التحديث الروسية التي طرحها الرئيس دميتري مدفيديف، إلا أنها تؤكد أن تنفيذ هذه الخطة يتطلب تغيير عمل القضاء في البلاد، مؤكدا أن واشنطن تنوي متابعة عملية الاستئناف في هذا الحكم.

وفي فرنسا قال برنار فاليرو المتحدث باسم الخارجية الفرنسية، إن «الرئيس الروسي دميتري مدفيديف أكد بنفسه على أن تعزيز دولة القانون هو الشرط الضروري لتقدم روسيا في التحديث، وننتظر تطبيق هذا في قضية خودوركوفسكي»، كما أعرب غيدو فيسترفيلده وزير الخارجية الألماني عن قلقه بشأن الحكم الصادر بشأن خودركوفسكي، واصفا هذا الحكم بأنه «خطوة للوراء» لروسيا. كما ناشدت مجموعة من الشخصيات السياسية والاجتماعية الأوروبية والأميركية، في رسالة مفتوحة وجهتها إلى الرئيس ميدفيديف، وقف الملاحقة القضائية بحق خودوركوفسكي، وجاء في الرسالة التي نشرت صحيفة فيننشال تايمز مقتطفات منها: «نحن كمؤيدين لعملية التحديث في روسيا، لا نستطيع الوقوف مكتوفي الأيدي إزاء المخالفات العلنية التي تمس القانون والقيم الإنسانية»، وأشارت الرسالة إلى أنه لا يمكن أن يكون للشراكة مع روسيا وجود، إلا عندما تعتمد روسيا «قيمنا الأساسية» وهي صون حقوق الإنسان وعدم المساس بحق الملكية وتغلب العدالة على الفساد. ومن بين الموقعين على الرسالة وزيرا الخارجية السابقان في بريطانيا وفرنسا، ديفيد ميليباند وبرنار كوشنير والمفوض السامي لحقوق الإنسان في الحكومة الألمانية ماركوس ليونينغ.

وهنا نتساءل، لماذا كل هذه الضجة الكبيرة في هذه البلدان من أجل شخص يحاكم في روسيا في جرائم بعيدة تماما عن السياسة وعن حقوق الإنسان، جرائم يحاكم عليها في كافة دول العالم بلا استثناء؟! إنها جرائم سرقة وفساد وتهرب واضح وعلني من الضرائب، وقد ثبتت هذه الجرائم على خودركوفسكي وتمت إدانته عام ‬2005، وحكم عليه بالسجن ثماني سنوات، والآن يمثل مرة ثانية أمام القضاء متهما بسرقة أكثر من ‬200 مليون طن من النفط، وتبييض الأموال الناتجة عن بيع هذا النفط، وسرقة ‬38٪ من أسهم إحدى الشركات النفطية الروسية الأخرى بقيمة تتجاوز ‬3 مليارات روبل.

هل مثل هذه الجرائم يدخل في إطار السياسة أو حقوق الإنسان؟ وهل الحكم عليه بثماني سنوات أو مثلها يشكل صدمة كبيرة للغرب الذي يعاقب أمثال خودركوفسكي بالسجن لسنوات أكثر من ذلك بكثير؟ وكما قال رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين للصحفيين صراحة، إن محاكمةَ أصحابِ الملياراتِ، ليس اختراعا روسيا، مشيرا إلى أن الأميركي برنار ميدوف، الذي كان واحدا من أغني أغنياء العالم، حُـكم عليه بالسجن مدةَ ‬150 عاما.

ونتساءل أيضا؛ لو كان المتهم هنا أحد قيادات الحزب الشيوعي الروسي أو أحد المعارضين اليساريين، هل كانت ستحدث مثل هذه الضجة في الغرب؟

ولكن، من هو ميخائيل خودركوفسكي هذا الذي قامت من أجله الدنيا في الغرب ولم تقعد؟ إنه أحد أكبر رموز الفساد والمافيا التي ظهرت فجأة في سنوات التسعينات بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ومن يتصور أن هذا الشاب الذي يحتل مكانا مرموقا في قائمة مليارديرات العالم التي تنشرها مجلة فوربس الأميركية، كان حتى عام ‬1990 وهو في الجامعة، أحد قيادات منظمة الشباب الشيوعي المعروفة باسم «الكومسمول» ولم يكن دخله يزيد عن تسعين «روبل» في الشهر، بما يعادل أقل من عشرين دولارا، ولم يكن لديه أي شيء خاص يملكه، ولا حتى شقة من غرفة واحدة، ولا سيارة. وفجأة، وبعد ثلاث سنوات فقط من انهيار الاتحاد السوفيتي، أصبح هذا الشاب رئيسا لواحدة من أكبر شركات النفط في روسيا! وذلك من خلال برامج الخصخصة الفاسدة التي وضعت خطتها في الغرب وطبقت في روسيا، لتضع الاقتصاد الروسي في يد حفنة من الأوليغارشية من زعماء عصابات المافيا ومن الفئة التي أطلق عليها آنذاك «الروس الجدد»، أمثال بيرزوفسكي وجوسينسكي وصمولينسكي، وغيرهم من اللاجئين الآن إلى لندن وإسرائيل هربا من القضاء الروسي، والغريب أن هؤلاء جميعا ومنهم خودركوفسكي، يحملون الجنسية الإسرائيلية!

هل سأل المدافعون في الغرب عن خودركوفسكي، من أين أتى هذا الشاب الصغير بثروة تقدر بأكثر من عشرين مليار دولار في أقل من سبع سنوات؟ وهل سأل هؤلاء المدافعون في الغرب أنفسهم، لماذا لا يثور الشارع الروسي ويطالب بالإفراج عن خودركوفسكي؟

كيف يمكن لنا بعد هذا أن نصدق شعارات الحرية وحقوق الإنسان الفارغة التي يرفعها الغرب؟