يعتبر الاتفاق الضريبي، الناجم عن التفاوض بين الرئيس الأميركي باراك أوباما والجمهوريين، الإصدار الأحدث من اقتصاديات التحفيز. فهو يؤكد رواية الحزب الجمهوري بشأن ما حدث للاقتصاد وكيفية إصلاحه، حيث يقول: «إن الاقتصاد السيئ هو خطأ الحكومة الأكبر، والحل يكمن في تقليص حجم الإدارة الأميركية».
ولكن رواية الجمهوريين خاطئة. فالرواية الحقيقية تقول إن اقتصادات التحفيز حققت فشلاً مدوياً، فلم تدعم التخفيضات الضريبية في عهد الرئيسين السابقين، رونالد ريغان وجورج بوش، معظم الأميركيين.
فعلى مدار ثلاثة عقود، ذهبت الحصة المتزايدة الناتجة عن فوائد النمو الاقتصادي، إلى طبقة الــ1 الأكثر ثراءً. وقبل ثلاثين عاماً، حصلت هذه الطبقة على نسبة 9٪ من إجمالي الدخل قبل الضرائب، والآن فهم يستحوذون على نسبة الربع تقريبا. وفي الوقت نفسه، لا يكاد دخل العامل المتوسط يتزحزح، وتم ضبط مؤشره وفقاً للتضخم.
ونتيجة لذلك، فإن الطبقة الوسطى الواسعة في أميركا، لم تعد لديها القوة الشرائية للحفاظ على سير عجلة الاقتصاد، لأن الأغنياء ينفقون نسبة أقل من الدخل.
لقد تم تفادي الأزمة من قبل، فقط لأن أسر الطبقة المتوسطة وجدت طرقاً لمواءمة إنفاقها، على الرغم من أن أجورها بلغت معدلات متوسطة، بعد دخول المرأة سوق العمل مدفوع الأجر، ومن خلال العمل لساعات أطول، وأخيراً باستخدام المنازل كضمانات للاقتراض. ولكن عندما انفجرت فقاعة الإسكان، انكشف المستور.
يكمن الحل في إعادة تنظيم الاقتصاد، حتى يمكن تقاسم فوائد النمو الاقتصادي على نطاق أوسع. ويجب أن يتم إعفاء شريحة الـذين يبلغ دخلهم 20 ألف دولار، من ضريبة الرواتب، وتطبيق هذه الضريبة على الدخل الذي يزيد على 250 ألف دولار، كما يجب تمديد ائتمان ضريبة الإيرادات المكتسبة، وهي إعانة الأجور، على طول الطريق، بالنسبة للأسر التي يصل دخلها إلى 50 ألف دولار.
لنجعل التعليم العالي مجانيا، بالنسبة للأسر التي لا تستطيع تدبير نفقاته الآن. وليتم إنشاء مصرف للبنية التحتية لإصلاح وإعادة بناء طرقنا، جسورنا المتداعية، وشبكات المياه والصرف الصحي.
وليتم إنشاء إدارة جديدة لتقدم الأعمال، لإعادة العاطلين عن العمل منذ أمد طويل، إلى سوق العمل مرة أخرى.
ولندفع كل هذا من خلال زيادة هامشية في ضريبة الدخل المفروضة على أصحاب الملايين، حتى تصل إلى 70٪. وهذا لن يعيق النمو الاقتصادي، فخلال فترة حكم الرئيس الأميركي الأسبق «دوايت أيزنهاور»، الذي لم يتهمه أحد بأنه اشتراكي، بلغ أعلى معدل هامشي 91٪، وشهد الاقتصاد ازدهاراً.
وكان هامش الضريبة المفروضة على من يملك الملايين، والذي يبلغ 70٪، سيقطع شوطاً طويلاً في سبيل القضاء على العجز في الميزانية المقبلة في أميركا.
ولكن، هنا تكمن العقبة. فقد ارتفع الدخل والثروة إلى الطبقة الأعلى في المجتمع، وكذلك السلطة السياسية. وتم استغلال المال لإعطاء الرشى للسياسيين، وتعبئة موجات الأثير بالإعلانات المضللة.
لقد وفرت انتخابات التجديد النصفي أدلة كبيرة، بعد وقت قصير من الانتخابات. فعلى سبيل المثال، ذكرت شبكة «إن بي سي» الإخبارية أن منظمة «كروسرودز جي بي إس»، وهي واحدة من أكبر المنظمات التابعة للحزب الجمهوري، حصلت على نسبة كبيرة من مجموعة صناديق التحوط في «وول ستريت» الغنية جداً، ومن مديري شركات الاستثمار في الملكية الخاصة.
فلم إذا يوظف هؤلاء المدراء، في صناديق التحوط وشركات الاستثمار في الملكية الخاصة، الكثير من المال في انتخابات التجديد النصفي؟ السبب أنهم يعارضون اقتراحا من الديمقراطيين في الكونغرس للتعامل مع إيرادات صناديق التحوط ومديري شركات الملكية الخاصة، مثل الدخل العادي بدلاً من أرباح رأس المال (أي أنها تخضع لمعدل 15٪ فقط)، كما يجري التعامل معها حالياً.
بعبارة أخرى؛ فالمشكلة الحقيقية ليست في الحجم الكبير للحكومة، بل في السلطة والامتياز اللذين تحصل عليهما الطبقة الأعلى.
لذلك يتعين أن يكون الجزء الآخر من الحل، هو الحد من تأثير الأموال الكبيرة في السياسة. وهذا يتطلب، على سبيل المثال، تنظيم حملات تمويل علنية، والكشف عن جميع مصادر الإنفاق السياسي، وإحياء مبدأ الإنصاف للمعلنين.
إنها السلطة والامتياز نفسهما اللذان وضعا في المقام الأول، تخفيضات الضرائب من عهد الرئيس الأميركي السابق بوش، واستأثرت بنصيب الأسد من مميزاتها. إنها السلطة والامتياز نفسهما اللذان أبطلا ضريبة العقارات تدريجياً. وبالموافقة على إجراء جولة أخرى من التخفيضات الضريبية الضخمة للأثرياء، وتخفيض آخر تضخم في ضريبة العقارات، فإن الرئيس أوباما والديمقراطيين لا يسعهم سوى مواصلة سياسة الحزب الجمهوري.